تحول تشريعي دقيق في منظومة الإثبات الجنائي بالمغرب: نحو عدالة أكثر توازناً وحماية أوسع للحقوق

2026-01-04T16:45:37+00:00
2026-01-04T16:45:41+00:00
وطنيات
Bouasriya Abdallahمنذ 25 ثانيةwait... مشاهدةآخر تحديث : منذ 25 ثانية
تحول تشريعي دقيق في منظومة الإثبات الجنائي بالمغرب: نحو عدالة أكثر توازناً وحماية أوسع للحقوق

شعيب خميس/ مشاهد بريس

خطا المغرب خطوة تشريعية متقدمة بإقرار تعديلات جوهرية على قانون المسطرة الجنائية، عُدّت من بين أبرز الإصلاحات القانونية خلال السنوات الأخيرة، لما تحمله من إعادة هيكلة عميقة لقواعد الإثبات الجنائي، وتقليص واضح لما كان يُوصف بـ«سطوة محاضر الشرطة القضائية»، مقابل ترسيخ مبدأ الاقتناع الصميم للقاضي وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة.

وبحسب ما ورد في وثائق رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ضمن مستجدات القانون رقم 03.23، فإن المشرّع اختار مقاربة دقيقة تقوم على الموازنة بين متطلبات النجاعة الزجرية وحماية الحقوق والحريات الفردية، من خلال منح القضاء سلطة أوسع في تقييم الأدلة وعدم التعامل معها كوقائع ثابتة غير قابلة للنقاش.

إعادة ترتيب حجية المحاضر

في الصيغة السابقة لقانون المسطرة الجنائية، كانت محاضر الشرطة القضائية تحظى بقوة إثباتية كبيرة، وغالباً ما تُعتمد كأساس رئيسي للإدانة، وهو ما أثار نقاشاً قانونياً وحقوقياً واسعاً، خاصة في الحالات التي لا تستوفي فيها هذه المحاضر جميع الشروط الشكلية أو الموضوعية.

التعديل الجديد وضع حداً لهذا الوضع، حيث أعاد تنظيم حجية المحاضر عبر المواد 289 و290 و291، مميزاً بين المحاضر التي تستند إلى معاينات شخصية مباشرة وتلك التي لا تتجاوز كونها تجميعاً لتصريحات. فحصر الحجية القوية، التي لا يمكن الطعن فيها إلا بإثبات العكس، في محاضر الجنح والمخالفات المستوفية لشروط دقيقة، بينما اعتبر باقي المحاضر مجرد عناصر إثبات تخضع للتقدير الحر للمحكمة.

ضبط شهادة المتهم وتقييد الإدانة

ومن بين أبرز مكامن القوة في هذه الإصلاحات، معالجة إشكالية شهادة متهم ضد متهم آخر، التي لطالما شكلت مصدر جدل قضائي. إذ نصت المادة 286 بشكل صريح على عدم جواز الاعتماد على هذه الشهادة وحدها كأساس للإدانة، ما لم تكن مدعومة بقرائن قوية ومتناسقة.

كما اعتبر القانون هذه الإفادات عناصر استئناس لا ترقى إلى مرتبة الدليل الكامل، خاصة وأنها تُتلقى دون أداء اليمين القانونية، وهو ما يعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تحصين المتهمين من مخاطر الإدانة المبنية على تصريحات فردية غير معززة بأدلة مادية.

تقنين الاختراق الأمني وتوسيع أدوات البحث

وفي خطوة لافتة، استحدث القانون لأول مرة إطاراً قانونياً يسمح بالاستماع إلى عناصر الشرطة المكلفة بعمليات الاختراق الأمني، وفق المادة 296، بصفتهم شهوداً محميين. غير أن المشرّع أحاط هذا الإجراء بضوابط صارمة، تتمثل في ضرورة أن تكون الشهادة الوسيلة الوحيدة لإثبات الحقيقة، وألا يترتب عنها كشف هوية العنصر الأمني أو تعريض سلامته للخطر، مع إخضاع مسطرة الاستماع لمقتضيات قانونية دقيقة تضمن الحماية القانونية.

تعليل الأحكام وترسيخ قرينة البراءة

وتُجمع هذه التعديلات على تكريس مبدأ الاقتناع الصميم، ليس باعتباره قناعة شخصية مجردة، بل كاقتناع مؤسس على تعليل قانوني وواقعي محكم. فلم يعد يكفي أن تقتنع المحكمة بثبوت الجريمة، بل باتت ملزمة بتسويغ هذا الاقتناع بأدلة ملموسة ومترابطة، وفي حال غيابها، يظل الأصل هو البراءة، إعمالاً لقاعدة تفسير الشك لفائدة المتهم.

بهذه الروح الإصلاحية، يؤسس القانون رقم 03.23 لمرحلة جديدة في العدالة الجنائية المغربية، مرحلة تُعيد الاعتبار لدور القضاء كضامن للحقوق والحريات، وتضع منظومة الإثبات على مسار أكثر توازناً، ينسجم مع الدستور والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، ويعزز الثقة في العدالة كركيزة أساسية لدولة الحق والقانون.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.