شعيب خميس/ مشاهد بريس
ليس افتتاح السنة القضائية الجديدة 2026 مجرد طقس بروتوكولي يتكرر كل سنة، ولا مناسبة لالتقاط الصور أو تبادل الخطب الرسمية، بل هو لحظة مساءلة هادئة لمنظومة العدالة بأكملها: ماذا تحقق فعلاً؟ وأي قضاء نريده للمواطن المغربي؟

بسطات، وخلال مراسيم رسمية حضرها عاملا إقليمي سطات وبرشيد، ووالي أمن سطات، والقائد الجهوي للدرك الملكي، وشخصيات مدنية وعسكرية، رُفع شعار هذه السنة القضائية: “القضاء في خدمة المواطن”. شعار جميل، قوي في لغته، لكنه في عمقه رهان ثقيل، لأن المواطن لم يعد يبحث عن الشعارات بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة داخل قاعات المحاكم.

بين الخطاب والواقع… المسافة التي تختبر المصداقية
حين يؤكد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بسطات، في كلمته الافتتاحية، أن هذا الشعار ليس مجرد عنوان بل التزام عملي لتعزيز الثقة في القضاء، فإننا أمام وعد مؤسساتي واضح. غير أن الثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل تُختبر يوميًا في تفاصيل دقيقة:
في آجال البت في القضايا، في وضوح الأحكام، في حسن الاستقبال، وفي الإحساس العام بأن العدالة تنصت للمواطن ولا ترهقه.

فالمواطن البسيط لا يهمه حجم النصوص القانونية بقدر ما يهمه أن يجد حقه محفوظًا، وكرامته مصانة، وقضيته مفهومة ومتعامل معها بجدية.
تكريم مستحق… ورسالة أعمق

لقد حمل حفل افتتاح السنة القضائية بعدًا إنسانيًا ورمزيًا مهمًا، من خلال توشيح السيد أبو الفتح بوسام ملكي سامٍ. تكريم لا يخص شخصًا بعينه فقط، بل يبعث رسالة واضحة مفادها أن الدولة تعترف برجال ونساء القضاء الذين خدموا العدالة بنزاهة واستقامة.
غير أن التكريم الحقيقي، في نظر الرأي العام، يبقى في استمرار هذا النموذج داخل المحاكم، وفي جعل الاستقامة والنجاعة معيارًا يوميًا لا استثناءً موسميًا.
إصلاحات تشريعية… فرصة لا يجب تبديدها

تأتي السنة القضائية 2026 في سياق قانوني جديد، مع مستجدات المسطرة الجنائية ودخول قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ. وهنا تبرز لحظة حاسمة:
إما أن تتحول هذه القوانين إلى رافعة حقيقية للعدالة الحديثة، أو تبقى حبيسة النصوص دون أثر فعلي.
العقوبات البديلة، على سبيل المثال، ليست تساهلًا مع الجريمة كما يعتقد البعض، بل رهان على إصلاح الفرد بدل كسره، وعلى عدالة تُوازن بين الردع والإنصاف، وبين حماية المجتمع وإعادة الإدماج.
القضاء والمواطن… علاقة تحتاج إلى ترميم دائم
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن جزءًا من المواطنين ما زالوا ينظرون إلى القضاء بنوع من الحذر، أحيانًا بسبب بطء المساطر، وأحيانًا بسبب سوء التواصل، وأحيانًا بسبب تجارب فردية تركت أثرًا سلبيًا عامًا.
ومن هنا، فإن شعار “القضاء في خدمة المواطن” لن ينجح إلا إذا تُرجم إلى سلوك يومي داخل المحاكم، وإلى قضاء قريب، واضح، ومتفاعل، يشعر فيه المواطن أنه ليس رقم ملف، بل صاحب حق.
الخلاصة: العدالة لا تُقاس بالاحتفالات
افتتاح السنة القضائية 2026 بسطات كان مناسبة رسمية مهمة، ورسائله كانت واضحة. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد إسدال الستار عن القاعة الرسمية، داخل المكاتب وقاعات الجلسات، حيث تُبنى الثقة أو تُهدم.
فإما أن نكون أمام قضاء في خدمة المواطن فعلًا، أو نبقى أمام شعار أنيق ينتظر من يمنحه المصداقية. والفرق بين الاثنين، تصنعه الممارسة… لا الخطب.

