
شعيب خميس/ مشاهد بريس
ليست كل مداخلات الورشات التقنية متشابهة، وليست كل الكلمات التي تُقال داخل القاعات المغلقة عابرة الأثر. ففي خضم أشغال الورشات التشاورية للتهيئة العمرانية بإقليم سطات، برز صوت مختلف، اختار أن يُحوّل النقاش من لغة الخرائط إلى لغة الإنسان والمجال. ذلك كان صوت السيد العربي الشريعي، رئيس جماعة أولاد فارس الحلة، الذي قدّم مداخلة يمكن تصنيفها ضمن المرافعات الترابية أكثر منها تدخّلًا بروتوكوليًا.
داخل مقر عمالة إقليم سطات، وأمام السيد عامل الإقليم، وممثلة وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب مفتش ومدير الوكالة الحضرية لسطات، لم يتردد رئيس جماعة أولاد فارس الحلة في طرح سؤال جوهري ظل مؤجلًا في السياسات العمرانية:
هل نخطط للمجال كما هو، أم كما نريده على الورق؟
التخطيط حين ينفصل عن الواقع
انطلقت مداخلة العربي الشريعي من تشخيص هادئ لكنه عميق، مفاده أن عدداً من وثائق التعمير، رغم أهميتها التقنية، تظل عاجزة عن ملامسة الواقع اليومي للجماعات القروية. فالحديث عن التهيئة العمرانية، في نظره، لا يمكن أن يستقيم دون استحضار خصوصيات المجال، ولا دون الإنصات لمن يعيش تفاصيله يومًا بيوم.
وأكد أن التخطيط الذي لا يستحضر الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية، ولا يراعي البنية الديمغرافية والوظائف الفلاحية للمجال القروي، يتحول من أداة تنظيم إلى قيد تنموي، يعرقل الاستثمار ويعمق الفوارق المجالية بدل تقليصها.
الدفاع عن القرى… موقف لا مجاملة
وفي واحدة من أقوى لحظات المداخلة، شدد رئيس جماعة أولاد فارس الحلة على أن الجماعات القروية ليست هوامش جغرافية، بل مجالات إنتاج واستقرار بشري، تستحق تخطيطًا منصفًا يفتح أمامها آفاق التنمية بدل تكريس منطق التجميد والتقييد.
ودعا إلى إشراك حقيقي للجماعات الترابية في صياغة وثائق التهيئة، لا إشراك شكلي يقتصر على الحضور، مؤكدًا أن المنتخب المحلي هو حلقة الوصل بين الدولة والمواطن، وأن تغييب صوته هو تغييب لنبض المجال نفسه.
التعمير كرافعة تنموية لا كوثيقة تقنية
وربط العربي الشريعي بين التخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية، معتبرًا أن أي رؤية عمرانية لا تفتح المجال للاستثمار، ولا تُحفّز خلق فرص الشغل، ولا تحمي الأراضي الفلاحية، هي رؤية ناقصة مهما بلغت دقتها التقنية.
كما دعا إلى اعتماد مقاربة مستدامة توازن بين متطلبات التعمير والحفاظ على الموارد الطبيعية، ضمانًا لاستقرار الساكنة القروية وحماية الأمن الغذائي المحلي.
رأي من داخل الورشة
ما ميّز هذه المداخلة ليس فقط مضمونها، بل توقيتها وسياقها. فهي تعكس وعيًا متقدمًا بدور المنتخب الترابي، الذي لم يعد مطالبًا بالاكتفاء بالتسيير اليومي، بل بالمساهمة في صناعة القرار المجالي والدفاع عن العدالة الترابية داخل فضاءات التخطيط.
خلاصة الرأي
في زمن تُصاغ فيه وثائق التعمير أحيانًا بعيدًا عن الواقع، جاءت مداخلة العربي الشريعي لتذكر بأن المجال ليس صفحة بيضاء، وأن التخطيط الناجح يبدأ بالإنصات، لا بالرسم فقط.
وأن القرى، حين تُقصى من الرؤية، تدفع ثمنًا تنمويًا باهظًا لا يمكن لأي مخطط أن يبرره.

