مشاهد بريس
في مشهد يكشف حالة العبث التي يعيشها تدبير الشأن المحلي بإنزكان، خرجت جمعيات مهنية تمثل تجار ومهنيي “سوق ثلاثاء كسيمة” لتطالب بأبسط الحقوق: إدراج اسم السوق ضمن علامات التشوير الحضري والطرقي داخل المدينة. مطلب يبدو في ظاهره عادياً، لكنه في جوهره يفضح طريقة تعامل الجماعة مع قطاع تجاري عريق ظل لعقود أحد روافد الاقتصاد المحلي.
“سوق ثلاثاء كسيمة” ليس سوقاً عابراً ولا تجمعاً عشوائياً، بل مرفق تجاري تاريخي ارتبط بذاكرة المدينة ومحيطها الاجتماعي والاقتصادي، وساهم في خلق فرص الشغل ودعم الحركة التجارية. ومع ذلك، لا وجود لاسمه على لوحات التشوير داخل إنزكان، وكأن الأمر يتعلق بسوق غير معترف به أو غير مرغوب في ظهوره. وفي المقابل، تحظى بعض المؤسسات التجارية الكبرى بكل أشكال التشوير والإرشاد والتوجيه، مما يطرح علامات استفهام عريضة حول المعايير المعتمدة ومن المستفيد من تغييب هذا السوق.
غياب اسم هذا المرفق التجاري عن علامات التشوير لا يمر دون خسائر؛ فالتجار يعانون من صعوبات في استقبال الزبائن، والوافدون يضيعون وسط المسالك، والمدينة تفقد جزءاً من هويتها التجارية، بينما المسافرون والمتسوقون يجدون أنفسهم أمام مدينة بلا ذاكرة وبلا علامات تشير إلى أحد أهم أسواقها. هذا الوضع ليس مجرد خطأ إداري بل يعكس خللاً في أولويات الجماعة التي رفعت شعارات “التأهيل الحضري” و“التنمية الاقتصادية” بينما واقع الحال يقول العكس تماماً.
توقيعات الجمعيات المهنية على مراسلة رسمية موجهة إلى رئيس الجماعة تكشف حجم الغضب والاستياء داخل الوسط التجاري، فحين تضطر جمعيات إلى مطالبة الجماعة بوضع لافتة طريق تشير لمرفق اقتصادي تاريخي، فذلك يعني أن الخلل تجاوز مستويات الهفوات العادية ودخل منطقة سوء التدبير والإهمال غير المبرر. والمفارقة أن رفع اللوحات وتسمية المواقع هو من أبسط المهام في التدبير المحلي، ولا يحتاج لا لصفقات معقدة ولا لاجتماعات ماراثونية، فقط قرار إداري غائب أو إرادة غير موجودة.
إن هذا التجاهل لا يمكن وصفه إلا بأنه تهميش ممنهج للتجارة التقليدية وقطع صلة المدينة بذاكرتها ومساراتها الاقتصادية. أما التزام الجماعة بالصمت فهو تعبير إضافي عن عجز أو لا مبالاة أو غياب رؤية حضرية واضحة. فالتشوير الحضري ليس ديكوراً تجميلياً، بل هو عنصر وظيفي اقتصادي وسياحي وتنظيمي يحفظ الأمن ويسهل التنقل وينظم الرواج.
إن إعادة الاعتبار لسوق ثلاثاء كسيمة يبدأ بإدراج اسمه ضمن التشوير الحضري والطرقي، ومنحه المكانة التي يستحقها داخل خريطة المدينة. أما استمرار هذا الوضع فهو إهانة للمهنيين والتجار ولذاكرة إنزكان التجارية، وفضيحة حضرية تعكس سوء التدبير وغياب العدالة بين الفاعلين الاقتصاديين. وإذا كانت الجماعة تعجز عن تثبيت لوحة طريق، فكيف يمكن الوثوق في قدرتها على إنجاز باقي الملفات الكبرى؟


