مشاهد بريس
تعد الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة الاستئناف الإدارية بأكادير، وفي مقدمتها القرار رقم 121، محطة مفصلية في تاريخ التدبير الجماعي بمدينة أيت ملول، حيث وضعت حدا نهائيا لظاهرة التذبذب السياسي تحت مسمى استقلالية التصويت. إن تأييد المحكمة لتجريد مستشارين جماعيين من عضويتهم بناء على دعوى حزب الاستقلال، يكرس عقيدة قضائية جديدة تعتبر قيمة الحزب أسمى من النزوات الشخصية؛ فالانتماء السياسي ليس مجرد بطاقة انتخابية، بل هو تعاقد أخلاقي وقانوني يلزم المنتخب بالوفاء للون السياسي الذي منحه التزكية، وأي خروج عن هذا الخط هو بمثابة خيانة لأصوات الناخبين تستوجب العزل الفوري.
هذا المسار القضائي الذي أطاح بمستشارين جماعيين خالفوا العهد، يتزامن مع تحولات عميقة شهدها هرم السلطة الإقليمية، حيث طويت صفحة مرحلة السابقة بكل ما لها وما عليها، ليبدأ عهد جديد يتسم بالصرامة وتفعيل القانون دون محاباة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التجريد من العضوية بسبب الترحال السياسي، بل امتدت يد المحاسبة لتشمل تحريك مساطر العزل في حق منتخبين آخرين سقطوا في فخ تضارب المصالح، مما يؤكد أن عمالة إنزكان أيت ملول تمر بعملية تنقية شاملة تهدف إلى إبعاد كل من جعل من العمل الانتدابي وسيلة للمصالح الذاتية أو الابتزاز السياسي.
وفي ظل هذه المتغيرات المتسارعة، يبرز اليوم في المشهد الأشخاص الأقوياء والوجوه التي حافظت على ثباتها ووفائها لمبادئها وللإدارة الترابية، هؤلاء هم رجال المرحلة الذين سيسيرون أيت ملول في الفترة المقبلة. إن القوة الآن أصبحت بيد النخبة المنسجمة مع التوجهات الكبرى للدولة، والتي استطاعت الصمود أمام عواصف التغيير، لتمهد الطريق لتدبير رصين يقطع مع ممارسات الماضي، مؤكدة أن زمن الترحال والمناورات السياسية قد ولى أمام صرامة القانون وحزم السلطة الإقليمية.
رياح المحاسبة لن تتوقف عند العزل إلا أن القراءة المتأنية لهذا الحراك القضائي والإداري تشير إلى أن تجريد العضوية قد لا يكون سوى قمة جبل الجليد؛ فخلف الأبواب المغلقة، بدأت تفوح رائحة ملفات ثقيلة تتعلق بخروقات تدبيرية جسيمة في التسيير الحالي، تجاوزت مجرد الأخطاء الإدارية لتدخل نطاق شبهات جرائم الأموال وهدر المال العام.
ومع التغييرات الجذرية في هرم العمالة، يبدو أن يد الرقابة لم تعد تنام على الملفات القديمة، وأن تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة تسير في اتجاه وضع النقاط على الحروف بخصوص الاختلالات المالية التي طبعت المرحلة الحالية.
إن الرسالة الموجهة اليوم واضحة: من يظن أنه بمنأى عن المساءلة الجنائية بفضل منصبه الحالي، فليتأمل في مصير من سبقوه؛ فالقانون اليوم لا يفرق بين خيانة الحزب و خيانة الأمانة المالية، والمستقبل القريب كفيل بالكشف عمن سيؤدي ضريبة العبث بالمال العام خلف قضبان العدالة.
