يوسف طــــرزا
لم يعد انتقال عدد من التلاميذ من التعليم الخصوصي إلى التعليم العمومي مجرد حالات معزولة، بل أصبح موضوعاً يستحق النقاش وطرح أسئلة صريحة حول واقع التعليم الخصوصي، وحول ما تحصل عليه الأسر فعلياً مقابل الأموال التي تدفعها كل شهر.
لسنوات، ارتبط التعليم الخصوصي في أذهان كثير من الأسر بفكرة الجودة والاهتمام والمتابعة، حتى أصبح البعض يعتبره الطريق الطبيعي نحو تعليم أفضل. لكن ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد أعباء الأسر دفعا عدداً منها إلى إعادة النظر في هذا الاختيار.
فالأمر لم يعد يتعلق فقط بواجب التمدرس الشهري، بل بفواتير متعددة: التسجيل، النقل، الكتب، الأنشطة، والعديد من المصاريف التي تجعل تعليم طفل واحد في بعض المؤسسات عبئاً ثقيلاً على ميزانية الأسرة.
وهنا بدأ السؤال المزعج يفرض نفسه: هل ما تدفعه الأسرة يتناسب دائماً مع جودة التعليم الذي يحصل عليه أبناؤها؟
لا يمكن وضع جميع مؤسسات التعليم الخصوصي في سلة واحدة، فهناك مؤسسات تشتغل بجدية وتوفر ظروفاً تعليمية جيدة، لكن في المقابل، من حق الأسر أن تطالب بالشفافية، وأن تسأل عن جودة التأطير، وحجم المتابعة، والنتائج، والخدمات التي تحصل عليها مقابل ما تدفعه.
وفي المقابل، بدأت المدرسة العمومية تستعيد حضورها في حسابات بعض الأسر. ليس لأنها خالية من المشاكل، فهي بدورها تواجه تحديات مرتبطة بالاكتظاظ والموارد البشرية والتجهيزات، وإنما لأن كلفتها الأقل تجعلها خياراً واقعياً، خصوصاً بالنسبة للأسر التي لم تعد قادرة على تحمل أعباء التعليم الخصوصي.
المفارقة أن أسرة كانت تخشى بالأمس من المدرسة العمومية، أصبحت اليوم تسأل سؤالاً مختلفاً: لماذا أدفع كل هذه الأموال إذا كانت النتيجة التعليمية لا تبرر هذا الإنفاق؟
وهنا تكمن الرسالة الأهم: التعليم ليس مجرد بناية جميلة أو اسم مؤسسة أو واجب شهري مرتفع. التعليم جودة ومردودية وتأطير ونتائج، والأسر من حقها أن تعرف أين تذهب أموالها وماذا يحصل أبناؤها في المقابل.
إن انتقال التلاميذ من الخصوصي إلى العمومي يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره أزمة بالنسبة للمؤسسات الخاصة، بل باعتباره مؤشراً على تغير أولويات الأسر وعلى إعادة تقييمها لعلاقتها بالتعليم.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من الأفضل، العمومي أم الخصوصي؟ بل السؤال الحقيقي هو: متى يصبح معيار جودة التعليم هو ما يتعلمه التلميذ فعلاً، وليس حجم الأموال التي تدفعها أسرته؟
فالثقة لا تُشترى بالفاتورة، والتعليم الجيد لا يُقاس بسعره.

