مشاهد بريس
لا يمكن النظر إلى حفل اختتام الدورة التكوينية في صناعة وتحريك الكراكيز القفازية، التي نظمها مُحتَرف سوس للسينيما والمسرح بمدينة أيت ملول، مساء الأحد 28 دجنبر 2025، باعتباره مجرد محطة احتفالية عابرة، بل باعتباره لحظة ثقافية دالة على أسئلة أعمق تتعلق بمكانة مسرح العرائس داخل المشهد الفني المغربي.
امتدت هذه الدورة التكوينية على مدى ثلاثة أشهر (أكتوبر، نونبر، دجنبر 2025)، واستهدفت فئة الشباب، في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى تكوينات فنية متخصصة، قادرة على الربط بين التعلم والممارسة، وبين التراث والتجديد. فالكراكيز القفازية، رغم بساطتها الشكلية، تنطوي على طاقة تعبيرية عالية، تجعل منها أداة سردية وتربوية وجمالية في آن واحد.

ويأتي عرض إبداعات المشاركين، المتمثلة في حكايات ورقصات بالكراكيز القفازية، ليؤكد أن التكوين لم يكن تقنيًا صرفًا، بل اشتغل على بناء علاقة واعية بين المُحرّك والعرائس، وبين الجسد والصوت، وبين الحركة والمعنى. وهي عناصر تُعد جوهرية في أي ممارسة عرائسية ناضجة، قادرة على مخاطبة المتلقي بذكاء ورهافة.
كما يكتسي المعرض الفوتوغرافي التوثيقي لأشغال الورشات بعدًا ثقافيًا مهمًا، يتجاوز وظيفة التوثيق البصري، ليصبح أرشيفًا لذاكرة التكوين الفني، وشهادة على مسار إبداعي جماعي غالبًا ما يُهمَّش لصالح المنتج النهائي فقط، في حين أن مسار التكوين في حد ذاته يحمل قيمة ثقافية ومعرفية لا تقل أهمية.
ومن زاوية أخرى، يبرز تسليم شواهد المشاركة للمستفيدين، ومنح شواهد تقديرية للشركاء المؤسساتيين، باعتباره اعترافًا رمزيًا بأهمية التكوين الفني، وبضرورة تشبيك الجهود بين المجتمع المدني والمؤسسات العمومية، خاصة وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، والمجلس الجماعي لأيت ملول، والمركز الثقافي لأيت ملول، من أجل خلق مشاريع ثقافية ذات أثر مستدام.
وتفتح هذه التجربة، في عمقها، نقاشًا أوسع حول واقع مسرح العرائس بالمغرب، الذي لا يزال يعاني من ضعف الدعم والتأطير والاعتراف، مقارنة بما يحظى به في تجارب دولية، حيث يُدرّس هذا الفن أكاديميًا، وتُخصص له فضاءات عرض، ويُدمج في السياسات الثقافية والتربوية بوصفه أداة للتنشئة، والحوار الثقافي، ونقل القيم.
إن تجربة أيت ملول، بما تحمله من رهانات تكوينية وثقافية، تُعيد التذكير بأن مسرح العرائس ليس فنًا ثانويًا، بل ممارسة فنية كاملة، تحتاج إلى رؤية ثقافية واضحة، وإلى دعم مادي ورمزي، حتى تستعيد مكانتها داخل المشهد الثقافي الوطني، وتتحول من مبادرات معزولة إلى مشروع ثقافي مستدام.
في هذا السياق، يمكننا اعتبار حفل اختتام الدورة التكوينية في تقنيات صناعة وتحريك الكراكيز القفازية مناسبة لطرح مجموعة من الأسئلة من قبيل :
كيف يمكن الانتقال من التكوين إلى الإنتاج؟
ومن المبادرة المحلية إلى المشروع الوطني؟
وكيف نمنح لمسرح العرائس المكانة التي يستحقها، لا بوصفه فنًا مكمّلًا، بل باعتباره لغة تعبيرية قائمة بذاتها؟

