مشاهد بريس
لم يكن نهائي كأس إفريقيا لكرة القدم مجرد حدث رياضي عابر، بل محطة خلّفت موجة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، اتسمت في بعض جوانبها بقدر من التشنج والانفعال، ما أثار نقاشًا واسعًا حول أخلاقيات الخطاب الرقمي وكيفية التعامل مع الأجواء العاطفية المصاحبة للرياضة.
ورغم أن المنافسة الرياضية غالبًا ما تُفرز مشاعر الفرح والحزن، إلا أن ما رُصد هذه المرة تجاوز التعبير الطبيعي عن الانتصار أو الخسارة ليمتد إلى تبادل عبارات الاستفزاز والتنقيص، في مشهد لا يعكس روح الرياضة القائمة على الاحترام والتنافس الشريف. هذا الأمر دفع العديد من الفاعلين في الإعلام والرياضة والثقافة إلى التحذير من خطورة الخلط بين التنافس الرياضي والعلاقات بين الشعوب.
المغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة حضورًا دبلوماسيًا واقتصاديًا وثقافيًا معتبرًا داخل القارة الإفريقية، وجد نفسه في قلب موجة من التعليقات التي حاولت اختزال علاقاته الإفريقية في لحظة كروية عابرة. وهو اختزال غير منصف، بحسب عدد من المتابعين، الذين شددوا على أن العلاقات بين الدول تُبنى عبر العمل والمؤسسات، وليس عبر تعليقات عابرة أو محتويات مُضللة تتسرب إلى الشبكات الاجتماعية.
وفي مقابل هذا التصعيد الرقمي، حافظت المؤسسات الرياضية والإعلامية على لغة هادئة ورصينة، دعت إلى تجاوز الانفعالات واحترام الآخر وعدم تضخيم السجالات. كما اعتبر محللون أن “المغرب لا يقيس مكانته وموقعه الإفريقي من خلال مباراة كرة قدم”، بل من خلال تراكم دبلوماسي واقتصادي وثقافي ممتد على سنوات.
من جهة أخرى، أظهرت هذه الواقعة أهمية التربية على الوعي الرقمي، أو ما بات يُعرف بـ”الحكمة الرقمية”، خصوصًا في المناسبات الكبرى التي تتقاطع فيها المشاعر الوطنية مع التنافس الرياضي.
إذ بات واضحًا أن المحتوى المنشور على المنصات يمكن أن يساهم في تهدئة الأجواء أو إشعالها، وفقًا لدرجة المسؤولية التي يتحلى بها منتجوه ومشاركونه.
ويبدو أن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من هذا النقاش هو أن الرياضة جسر للتعارف والتقارب، لا منصة لتأجيج الخلافات، وأن حماية صورة الشعوب وصون العلاقات بين الدول تحتاج إلى وعي جماعي، خاصة في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل وسيلة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وتوجيه المزاج العام.
وبقدر ما يعكس النهائي قوة المنافسة في كرة القدم الإفريقية، فإنه أكد أيضًا الحاجة إلى تطوير ثقافة رياضية راقية، تُقدّر النجاح دون شماتة، وتتقبل الخسارة دون انفعال زائد، وتعلي من قيمة الاحترام المتبادل باعتباره مكسبًا أكبر بكثير من أي نتيجة على الملعب.

