
شعيب خميس/ مشاهد بريس
لم تعد الغرامات المالية في المغرب مجرد عقوبة قانونية تهدف إلى الردع، بل أصبحت في كثير من الحالات عبئاً ثقيلاً يثقل كاهل فئات واسعة من المواطنين، خصوصاً من ذوي الدخل المحدود. فبينما ينص القانون على مبدأ تفريد العقوبة ومنح القاضي سلطة تقديرية لمراعاة ظروف المتهم، يلاحظ العديد من المتتبعين أن الواقع القضائي يكشف أحياناً عن أحكام مالية لا تنسجم مع الوضع الاجتماعي للمحكوم عليهم.
في قاعات المحاكم، تصدر يومياً أحكام بغرامات قد تبدو عادية في نظر النص القانوني، لكنها بالنسبة لشخص عاطل عن العمل أو عامل بسيط قد تعني شهوراً من المعاناة المالية. هنا يطرح السؤال الجوهري: هل تحقق الغرامة هدفها الردعي عندما تتحول عملياً إلى عقوبة قاسية للفقراء فقط، بينما تمرّ خفيفة على الميسورين؟
إن الفلسفة الجنائية الحديثة تقوم على مبدأ العدالة المتوازنة، حيث يجب أن تكون العقوبة متناسبة ليس فقط مع الفعل الجرمي، بل أيضاً مع قدرة الشخص على تحمل تبعاتها. غير أن اعتماد الغرامات المالية بشكل واسع دون تقييم دقيق للوضع الاقتصادي للمحكوم عليهم قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تتحول العقوبة من وسيلة للإصلاح إلى عامل إضافي للتهميش الاجتماعي.
وقد بدأت النقاشات القانونية في المغرب تتجه نحو مراجعة هذه الإشكالية، خصوصاً مع الحديث عن إدخال نظام الغرامة اليومية ضمن إصلاحات السياسة الجنائية. هذا النظام، المعتمد في عدد من الدول، يقوم على تحديد قيمة الغرامة وفق الدخل الحقيقي للشخص، بما يضمن تحقيق العدالة بين المواطنين مهما اختلفت مستوياتهم المادية.
كما أن التوجه نحو العقوبات البديلة مثل العمل لفائدة المنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية يمثل خطوة مهمة نحو عدالة أكثر إنسانية، حيث يتم تحقيق الردع دون تحويل العقوبة إلى عبء اقتصادي قد يدفع بعض المحكوم عليهم إلى مزيد من الهشاشة.
إن العدالة ليست مجرد تطبيق حرفي للنصوص القانونية، بل هي أيضاً قراءة عميقة للواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه المواطن. لذلك، فإن تطوير نظام الغرامات في المغرب لم يعد مجرد خيار تشريعي، بل ضرورة ملحة لضمان عدالة لا تفرق بين غني وفقير، وعدالة تحافظ على هيبة القانون دون أن تثقل كاهل الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.

