
لمن مبارة /مشاهد بريس
لا تنحصر قيمة المؤسسات الإعلامية الكبرى في “أسبقية التأسيس” بقدر ما تكمن في قدرتها على التأثير المستمر وتحويل التحديات إلى فرص للتجدد. ففي عالم السموات المفتوحة والتدفق الرقمي العابر للحدود، تصبح الذاكرة المؤسساتية مجرد أرشيف بارد ما لم تُضخ في عروقها رئة العصر. واليوم، ونحن نرقب مسار “قناة العيون” العزيزة، تفرض علينا الأمانة المهنية مكاشفة الذات: هل لا يزال إيقاعنا البرامجي قادراً على مجاراة نبض الشارع في 2026؟ وهل تمتلك صورتنا البصرية والتحريرية القدرة على الصمود في وجه “مصفاة” العقل الجمعي الذكي؟
عبقرية البدايات: فضاء التجريب وفطرة الاستكشاف
بالعودة إلى جذور التأسيس، نجد أن انطلاقة قناة العيون لم تكن مجرد إضافة تقنية، بل استجابة لضرورة وجودية وهوياتية. في تلك الفترة، نجحت القناة في رفع سقف الخطاب الإعلامي، ومثلت أول تجربة تلامس بجرأة خصوصية المنطقة؛ حيث فُتحت أمام الشباب مساحات مريحة لحرية التجربة، فتفتقت لديهم فطرة البدوي الأصيلة بالاستكشاف والابتكار، وصارت القناة هي المرآة التي يرى فيها الإنسان ذاته وتطلعاته.
الانكسار: مرحلة “الفرملة” وتسقيف الخيال
بيد أن دوام الحال من المحال؛ فما إن انقضت مرحلة التأسيس الوهّاجة، حتى بدأت مرحلة أخرى اتسمت بهبوط ناتج عن الركون إلى نجاحات الماضي بصفتها “مكتسبات نهائية”. أدى هذا الكبح للطاقة الإبداعية إلى تسقيف حاد لسقف الحرية، وحصر المعالجة الإعلامية في زوايا ضيقة لا تستوعب تعقيدات الواقع، مما خلق نوعاً من الاغتراب بين الشاشة وجمهورها. إن مكمن الخلل هنا يكمن في محاولة حصر روح الإبداع في نمطية رتيبة وبيروقراطية ترفضها فطرة “الامتداد”.
تعدد السرديات: المشاهد كحكم في سوق المصداقية
من منظور التحليل الاستراتيجي، لا تتحرك “قناة العيون” في فضاء معزول، بل في بيئة تتسم بـ “تعددية السرديات المتقاطعة”، حيث يتحول هذا التعدد إلى اختبار حقيقي لقدرة أي مؤسسة إعلامية على البقاء والتأثير. فالمتلقي اليوم، بفضل الانفتاح الرقمي، يوجد في مركز تقاطع بين تدفقات إعلامية متباينة الرؤى والأهداف، ما يجعل عملية التلقي تتحول تلقائياً إلى “مقارنة مهنية باردة” تعتمد معايير كونية: الجودة البصرية، العمق التحليلي، وقبل كل شيء، المصداقية الإجرائية.
إن القاعدة الذهبية في هذا الصراع ليست في “امتلاك الشاشة”، بل في “امتلاك الثقة”؛ فالمشاهد يمنح وقته وانتباهه للسردية التي تلامس واقعه بأكبر قدر من الشفافية والمهنية. وفي هذه المعادلة التنافسية، تصبح المصداقية هي “العملة الصعبة” الوحيدة؛ فمن يمتلك رصيداً أكبر من الموثوقية هو من يمتلك، بالتبعية، السيادة على وعي المشاهد وقدرة التأثير في الرأي العام، بعيداً عن أي وصاية إعلامية تقليدية.
نحو “حكم ذاتي إعلامي” حقيقي: ديكور غرفتنا نختاره بأنفسنا
إن هذا التحول المنشود يفرض بالضرورة منح القناة استقلالية واسعة تتجاوز التسيير الإداري التقليدي؛ استقلالية تمنحها الحق الكامل في صياغة خط برامجي سياسي وإعلامي ينبع من خصوصية الأرض ووجدان إنسانها. فإذا كان هناك تفاوض جاد حول “حكم ذاتي حقيقي” كخيار استراتيجي للمستقبل، فإن القناة يجب أن تنال نصيبها المستحق من هذا الحكم عبر “تمكين إعلامي” يمنحها الأهلية الكاملة في تدبير المحتوى والرسائل.
إننا هنا نتحدث عن الانتقاد والممارسة المهنية داخل الإطار العام والمرجعيات المؤطرة للمشهد؛ فهذه “الغرفة” التي تخصنا ونقطن فيها داخل هذا المجال، نحن أهل الأرض من يملك الحق والأهلية لتحديد ديكوراتها وأثاثها وتفاصيل العيش فيها بما يلائم هويتنا وتطلعاتنا. إن منح القناة “حكماً ذاتياً إعلامياً” هو الضمانة الحقيقية لتكون مرآة صادقة للواقع.
إعادة التأسيس: رهان “الموضوعية الإجرائية”
إن احترام ذكاء المشاهد يفرض تبني “موضوعية إجرائية”تمنح القناة الجرأة المهنية لمناقشة السياسات والبرامج العامة بموضوعية؛ تلك التي قد تُصاغ دون استحضار دقيق للخصوصيات الاجتماعية والتقنية للمنطقة. حين تفتح القناة صوتاً نقدياً يراقب جودة الخدمات، فإنها تكتسب “شرعية ميدانية” تحول المتلقي من “مستهلك حذر” إلى “شريك واثق”، وتتحول المنصة إلى مرجع للمعلومة الموثوقة وحصنٍ للوعي المجالي الرصين.
ملهمات التجديد: نموذج “EITB” في إقليم الباسك
وعند البحث عن نماذج نجحت في عبور هذه القنطرة، نجد تجربة إذاعة وتلفزيون الباسك (EITB) نموذجاً ملهماً؛ فقد استطاعت هذه المؤسسة الجهوية أن تتحول إلى “الرئة الحقيقية” لشعبها عبر معادلة ذكية تزاوج بين الاستقلالية والارتباط العضوي بالهوية المحلية. إنها تجربة برهنت بوضوح على إمكانية نقد السياسات الحكومية ومساءلتها بجرأة وموضوعية، انطلاقاً من فهم عميق لجدلية “الإطار السياسي القائم”؛ حيث تظل الثوابت المشتركة هي السقف، بينما تمتلك المؤسسة الإعلامية كامل الأهلية لتحديد “ديكور غرفتها” بما يلائم خصوصية الإنسان المحلي وتطلعاته.
أفق المستقبل: رهان الإمكانات والقيادة
وفي ختام هذا الاستشراف، لا بد من وقفة إجلال للكوادر الإعلامية للقناة التي تعمل بتفانٍ وفق المتاح. إن القناة اليوم أمام فرصة تاريخية بوجود قيادة مشهود لها بالمهنية الرفيعة، مما يجعل الرهان عليها رهاناً رابحاً لإحداث القفزة النوعية المنشودة في 2026، بشرط تعزيزها بالإمكانيات والمساحة الكافية للإبداع بعيداً عن القيود الرتيبة. إن هذا التمكين المتكامل هو الضمانة لبعث تجربة إعلامية رائدة، تستعيد بها “العيون” وهجها كمنصة تجسد ذكاء وجمالية وروح إنسان الصحراء.

