مشاهد بريس
في خضم السجال المتواصل حول تدبير الشأن المحلي بمدينة إنزكان، وما يرافقه من نقاشات سياسية وإعلامية متباينة، يلاحظ أن البعض أصبح يلجأ إلى إطلاق اتهامات خطيرة تتعلق بهدر المال العام أو الحديث عن “صفقات مشبوهة” بشكل متكرر، دون تقديم معطيات دقيقة أو الاستناد إلى تقارير رسمية صادرة عن مؤسسات الرقابة والافتحاص المخول لها قانونا مراقبة تدبير المال العام، كالمجلس الأعلى للحسابات أو المفتشيات العامة أو الجهات القضائية المختصة.
إن النقد السياسي حق مشروع، بل يعتبر من ركائز الممارسة الديمقراطية السليمة، غير أن تحويل النقاش العمومي إلى منصة لتوزيع الاتهامات المجانية يضر بصورة المؤسسات ويخلق حالة من التشويش وفقدان الثقة لدى المواطنين، خصوصا عندما يتم تداول هذه الادعاءات في مواقع التواصل الاجتماعي أو بعض المنابر دون أدلة ملموسة أو وثائق رسمية تثبت صحتها. فالمسؤولية تقتضي أن يكون النقد مبنيا على الوقائع والأرقام والمعطيات الدقيقة، لا على الانطباعات أو الخلفيات السياسية الضيقة.
وفي المقابل، وبعيدا عن لغة التهويل أو التبخيس، فإن جماعة إنزكان تبقى من بين الجماعات الترابية التي أبانت خلال السنوات الأخيرة عن دينامية واضحة في تنزيل مجموعة من المشاريع التنموية وإخراجها إلى أرض الواقع، رغم الإكراهات المالية والتحديات المرتبطة بالتوسع العمراني والضغط السكاني الذي تعرفه المدينة. فقد شهدت المدينة عددا من الأوراش المرتبطة بتأهيل البنية التحتية وتحسين بعض المرافق والخدمات الأساسية، وهي مشاريع لا يمكن إنكار أثرها على مستوى الواقع الميداني.
صحيح أن أي تجربة تدبيرية لا تخلو من الاختلالات أو النواقص، وأن من حق المواطنين والفاعلين المدنيين والإعلاميين مساءلة المنتخبين وتتبع كيفية صرف المال العام، لكن ذلك يجب أن يتم في إطار احترام المؤسسات والقانون، وبالاعتماد على أدوات الرقابة الحقيقية، وليس عبر إطلاق أحكام جاهزة أو تبني خطاب شعبوي يختزل العمل الجماعي في صورة سوداء مطلقة.
كما أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن تدبير مدينة بحجم إنزكان، بما تعرفه من إكراهات اجتماعية واقتصادية وتجارية، ليس بالأمر السهل، وأن تحقيق التنمية المحلية يتطلب تضافر جهود مختلف المتدخلين، من مجلس جماعي وسلطات محلية ومجتمع مدني وقطاع خاص، بعيدا عن منطق التشهير أو الاستثمار السياسي في كل مبادرة أو مشروع.
إن المرحلة الحالية تحتاج إلى نقاش عمومي جاد ومسؤول، قائم على النقد البناء والاقتراحات العملية، وليس على تبادل الاتهامات أو محاولة تضليل الرأي العام. فالمواطن اليوم أصبح أكثر وعيا، ويميز بين المعارضة الجادة التي تقدم البدائل والحلول، وبين الخطابات التي تقوم فقط على الإثارة وتضخيم الأمور دون سند قانوني أو مؤسساتي.
وفي الأخير، يبقى الفيصل الحقيقي في تقييم أداء أي جماعة ترابية هو ما تنجزه على أرض الواقع، ومدى انعكاس ذلك على حياة المواطنين اليومية، أما مؤسسات الرقابة والقضاء فهي وحدها المخول لها الحسم في كل الادعاءات المرتبطة بتبديد المال العام أو وجود اختلالات تدبيرية، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الحملات الموسمية التي غالبا ما ترتبط بحسابات سياسية وانتخابية ضيقة.
