وقائع حية بروايات شفهية القصة الاولى : الكذاب و الجراد.

2022-03-28T07:47:39+00:00
2022-03-28T07:47:40+00:00
كتاب الرأي
Admin28 مارس 2022آخر تحديث : منذ شهرين
وقائع حية بروايات شفهية القصة الاولى : الكذاب و الجراد.
وقائع حية بروايات شفهية القصة الاولى : الكذاب و الجراد.

لحسن اوبحمان

في فترة من خمسينيات القرن الماضي من احدى قرى الجنوب المغربي الذي مازال منسيا مثلما كان.
فقد اتسمت هذه الفترة بجفاف مميث الى درجة ان البعض لا يجد ما يسد به رمقه من شدة الجوع. حتى ان كل اسرة من المداشر تفقد اعز اقربائها لانعدام اللقمة ؛ فكانت النساء المرضعات تحزمن احشاءهن بحزام قصد اعتصار تديهن كي يتمكن الرضيع من حصته من الحليب و اين له من قطرة حليب. فقد جفت الضروع و امسكت التديات عن الاحتلاب.
في هذه الضروف الصعبة جدا جاء الغيث وان لم يكن مطرا وانما كان اجتياح الجراد للمنطقة. فكما يقال عام الجراد ” تامورغي ” عام خير و بركة.
فالجراد بالنسبة لاهل المنطقة مصدر قوت و عيش ؛ فحيثما كانت اسراب الجراد يتهافث الاهالي محملين باكياس الخيش لملئها بالجراد بعد ان يتربصون به ليلا عندما ياخذ قسطا من الراحة فيتخذونها طبقا رسميا و اساسيا و فريدا للاكل بعد انعدام الحبوب و الخبر.
ففي تلك المنطقة بعد ان انفرجت الاحوال قليلا عاد الناس للمسامرة و المجالسة تحت اسوار المساجد المهجورة اصلا او فيما يسمى باسايس للممازحة احيانا او مناقشة الاحوال احيانا اخرى. و ما احلى تلك المجالس ان كان فيها شحض يتقن الكذب او اصطناع الاحداث من لا شيء و فبركتها.
ففي ذلك الدوار و مثله من دواوير العالم كله عرف شخص- لا اريد ذكر اسمه حتى لا اتهم بالتشهير- بصناعة الاكاديب و اختلاقها . فرغم ان الكل يعرف ان القصة كاذبة لكن يصغون اليه لانها تثير الضحك احيانا او السخرية احيانا اخرى و ربما فيها موعضة و حكمة حسب السياق الذي قيلت فيه.
فبعد ان تم تخزيين اكياس الجراد المجفف بعد اتم طبخه في براميل المياة و تم اضافة اليه لوازمه من بعض الاعشاب الغابوية التي نمقتها نحن حاليا ضنا منا عدم جدواها من فرط جحود النعم. فلتهييء اكلة الجراد طقوس خاصة و تقنية فريدة يجهاها معظم الناس حاليا الا كبار السن ممن شهدوا ينوات الجراد والجفاف. في ذات ليلة من ليالي المنطقة الهادئة الجافة فينما كان الناس جلوس مستندين الى جدار المسجد الجحري المهتريء و الصلب في ان واحد يتسامرون و يتبادلون الاحاديث الجادة التي لا تخرج عن الصواب و الادب المعروف به اهل الجنوب بعيدا عن الكلام الذي يخدش الحياء او يسيء الى مروءة كل احد ؛ و اذا بالرجل الكذوب ( هذه الصفة في الشخص ليست قدحية و انما هي مقبولة في المجتمعات القروية لما تضفي للمجلس من مرح و لم للجمع). قلت واذا بالرجل يضهر و علامات الاستعجال بادية عليه و كانه على موعد رسمي لا يريد ان يخلفه.
صاح اكثر من واحد بالجمع ينادونه للاقدام عليهم و مجالستهم. قائلين : تعال اقصص علينا واحدة من نوادرك و حكاياتك.
” اشكيد خرض فلاغ يات غ ختيلي نك”
فاجاب وهو يضرب بكلتا يديه وكانه الحريص على الحضور للموعد المحدد سابقا مجيبا : ليس لي وقت لاضيعه معكم فاني ذاهب لاحضار الاكياس( الخيش ) فالجراد وافر في الدوار القبلاني ( على مسافة 20km ) فلا يسعفني الجلوس معكم الليلة. واتجه مسرعا صوب منزله.
بمجرد ان توارى عن الانظار انعقد جمع” الجماعة” و حسب كل حساباته و ضربوا الاخماس في الاسداس و وضعوا خططهم و تنازلوا عن التزاماتهم الليلية سواء مع الازواج او الاموال و الاولاد فتامين قوت اشهر عديدة في جمع الجراد اولى الاولويات فاتفق الجميع على ان يهبوا كالقافلة في جمع واحد في اتجاه الدوار الذي اخبروا بتواجد الجراد فيه.
وفعلا تسلح الجميع بالعدة اللازمة محملين باكياس وافرة لملءها و كل ما يتطلب المشي ليلا كل على حسب حاجته و طاقة.
قطع الجمع المسافة كالبرق فتحديد الهدف يعين على سهولة المسالك و لم يحسوا بوعورة الطريق او طولها او بردها…
وبمجرد وصولها الى المكان المحدد وجدوا المنطقة هادئة خالية من الزرع والحرث والانس و حتى الجن. ولم يجدوا اثرا لا للجراد ولا حتى الضفادع ولا الثعابين.
بحثوا في كل مكان وفي كل البقاع و الاصقاع . ولكم ان تتخيلوا مدى الفشل و الاسف و المهانة التي سيحسون بها . فعندما تعطي كل طاقتك لاجل هدف مضمون ينقلب ذاك الجهد عكسيا عند الفشل.
فعند العودة احس الجمع ان طريق العودة لن تنتهي و ربما سيقضي بعضهم نحبه في الطريق من كثرة المشيء وهم يجرون اديال الخيبة و دل الهزيمة و الخداع.
بينما هم يتالمون من البرد وطول الطريق صاحبنا الكذوب ينعم بنوم هنيىء بين احضان زوجته ( و ما احلى القرويات حين يغتسلن و يتعطرن قبل الخلود للفراش ) بين الفينة والاخرى يقص عليها قصة من قصصه المضحكة وصوت قهقتها يدوي في ارجاء الغرفة رغم علمها بعدم حقيقتها.
في الغد اجتمعت ” الجماعة” في برلمان القرية( جوار المسجد ) و هم يتنضرون الكذاب لبدء جلسات المساءلة و المحاكمة و النطق بالحكم في قضية الزج بالجميع الى المجهول.
وفعلا قد حضر المعني بالامر بعد ان علم من زوجته ان جميع الرجال قضوا ليلتهم خارج الديار وعادووا محملين باخف حنين.
بدأ الجميع في سرد الاتهامات و تغليض الفعل الاجرامي الذي قام به صاحبا. وبعد اعطيت له الفرصة للظفاع عن نفسه تحقيقا للمحاكمة العادلة اشار اليهم بجملة واحدة اسكتت الجميع.
قال : ” انتم من طلبتم مني ان اكذب عليكم كذبة و احدة ؛ فكما رايتم قولة واحدة مني جعلتكم كلكم تبيتون في العراء فكيف اذا اكثرت عليكم”
ياك كنين ايي انان اشكيد خرض فلاغ يان مناوت غ تيلي نك
يات اذاون نيغ تنسامن كولو غ تاسوكت.
و هكذا نسي الجميع معانات الطريق و انغمس الجميع في ضحك وقهقهات تناسى خلالها الجميع مرارة المقلب و حر الخدعة.
فالكذاب ان صدقته خدعت و ان كذبته خدعت.
رواية بعض من اسلافنا. كتابة و تاليف اوبحمان لحسن.
الاحد 27 مارس2022

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.