يوسف طرزا
ملعب أدرار بأكادير لم يُبنَ بأموال خاصة، ولم يُشَيَّد بميزانية جهة أو مؤسسة من جيب مسؤول بعينه، بل بــالمال العام، أي بأموال المغاربة التي تُجمع من الضرائب والرسوم والموارد العمومية.
ملعب شُيّد بملايين الدراهم، وبمواصفات دولية، واحتضن تظاهرات ومباريات كبرى، قبل أن يجد المغاربة أنفسهم أمام سؤال بسيط لكنه ثقيل: كيف يُعقل أن نبني بالملايين، ثم نهدم بالملايين، ثم نعود لنبني بالملايين؟
هل أصبح المال العام بلا صاحب؟
هل أصبحت الملايين المرصودة للمنشآت العمومية مجرد أرقام قابلة لإعادة الصرف كلما تغيرت التصورات أو ظهرت حاجة جديدة إلى الأشغال؟
المواطن البسيط الذي ينتظر مستشفى أفضل، ومدرسة لائقة، وطرقا آمنة، وخدمات عمومية محترمة، من حقه أن يسأل: من اتخذ قرار الهدم؟ وعلى أي أساس؟ ومن أنجز الدراسات التي خلصت إلى ضرورة الهدم؟ وكم كلفت تلك الدراسات؟ وكم ستكلف عملية الهدم؟ وكم ستكلف إعادة البناء أو إعادة التهيئة؟
نحن لا نرفض التطوير، ولا نعترض على تحديث المنشآت الرياضية، ولا نقف ضد مواكبة المعايير الدولية.
لكننا نرفض أن تتحول عبارة "التحديث والتطوير" إلى شيك مفتوح من المال العام دون تقديم الحساب للرأي العام.
إذا كان ملعب أدرار يحتاج فعلاً إلى الهدم، فليتم تقديم الدراسات التقنية والهندسية والخبرات التي تبرر هذا القرار، ولتُنشر الأرقام كاملة: تكلفة البناء الأولى، وتكلفة الأشغال والإصلاحات التي أنجزت بعد ذلك، وتكلفة الهدم المرتقبة، ثم تكلفة المشروع الجديد.
أما أن يسمع المواطن فقط أن هناك قراراً بالهدم وإعادة البناء، دون أن يعرف لماذا بُني أصلاً بتلك المواصفات، ولماذا لم تكن تلك المعايير كافية، ومن يتحمل مسؤولية التقديرات السابقة، فهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل وضرورياً.
ترشيد النفقات ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية حقيقية عندما يتعلق الأمر بملايين الدراهم من المال العام.
فإذا كانت هناك أخطاء في الدراسات السابقة، فمن المسؤول عنها؟
وإذا كانت المنشأة قد أصبحت غير ملائمة رغم حداثتها، فلماذا؟
وإذا كان الهدم هو الحل التقني الوحيد، فأين الخبرة التي تثبت ذلك؟
وإذا كانت إعادة البناء ستكلف الملايين من جديد، فما هي الكلفة الإجمالية التي سيتحملها دافعو الضرائب؟
الشعب ليس ضد الرياضة، وليس ضد الملاعب الحديثة، بل ضد منطق "نبني ثم نهدم ثم نعيد البناء" دون كشف الحساب.
المطلوب اليوم ليس التصفيق للمشاريع ولا إطلاق الشعارات، وإنما الوثائق والأرقام والدراسات.
فأموال المغاربة ليست مالاً سائبا، والصفقات العمومية ليست شأناً مغلقاً، والمنشآت التي تُبنى من المال العام ليست ملكاً لمسؤول أو حكومة أو مجلس، وإنما هي ملك للمغاربة.
نبني بالملايين؟ قدموا لنا الحساب. نهدم بالملايين؟ قدموا لنا المبررات. نعيد البناء بالملايين؟ قدموا لنا الدراسات والأرقام.
أما أن يدفع المواطن في كل مرة فاتورة جديدة، ثم يُطلب منه أن يكتفي بالمشاهدة والصمت، فذلك هو السؤال الأكبر الذي يحتاج إلى جواب واضح ومسؤول.
