
شعيب خميس/ مشاهد بريس
في كل مجتمع، تظل العدالة وحماية سمعة الأشخاص وحقوقهم من الركائز الأساسية التي لا يمكن التساهل معها. غير أن خطورة بعض الممارسات تظهر عندما تتحول الخلافات الشخصية أو الحسابات الضيقة إلى اتهامات خطيرة، أو عندما يتم تحريض أشخاص على الإدلاء بتصريحات غير صحيحة، وصولاً إلى تقديم شهادات زائفة أمام الجهات المختصة.
فالادعاء ليس إدانة، والشكوى ليست حكماً، والشهادة لا تصبح حقيقة لمجرد أن شخصاً قرر الإدلاء بها. الحقيقة تبقى خاضعة للتحقيق والأدلة وتقدير القضاء.
الاتهام الباطل.. عندما تصبح الشكاية سلاحاً
قد يجد بعض الأشخاص أنفسهم أمام اتهامات تمس سمعتهم أو حياتهم المهنية والاجتماعية، دون أن تكون الوقائع المنسوبة إليهم ثابتة. وهنا تكمن الخطورة، لأن الاتهام غير الصحيح قد تكون له آثار تتجاوز المساطر القضائية، لتصل إلى الأسرة والعمل والعلاقات الاجتماعية والسمعة الشخصية.
وفي هذا السياق، يجرّم القانون الجنائي المغربي الوشاية الكاذبة؛ إذ ينص الفصل 445 على معاقبة من يبلغ، بأي وسيلة، وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر إلى الجهات المختصة، وفق الشروط التي يحددها القانون. كما يرتبط تحريك المتابعة في بعض الحالات بمآل الشكاية الأصلية، كصدور حكم نهائي بالبراءة أو قرار بعدم المتابعة أو حفظ الشكاية.
التحريض.. الخطر الذي يبدأ أحياناً من وراء الستار
الأكثر خطورة أن لا يقتصر الأمر على شخص يقدم ادعاءً من تلقاء نفسه، بل قد يدخل طرف آخر على الخط، فيحاول التأثير على شاهد أو دفعه إلى الإدلاء برواية تخدم جهة معينة.
وقد وضع المشرع المغربي مقتضيات واضحة لمواجهة هذه الممارسات؛ فالفصل 373 من القانون الجنائي يجرّم استعمال الوعود أو الهبات أو الضغط أو التهديد أو العنف أو المناورة أو التحايل لحمل شخص على تقديم شهادة أو تصريح أو إقرار كاذب، سواء أدى ذلك التدخل إلى النتيجة أم لا.
كما أن التحريض على ارتكاب الجرائم والجنح يمكن أن يشكل جريمة مستقلة في الحالات التي حددها القانون، بما في ذلك التحريض عبر وسائل النشر والوسائل الإلكترونية عندما تتوافر الشروط القانونية.
شهادة الزور.. ليست مجرد “كلام”
شهادة الزور ليست خلافاً في وجهات النظر، ولا مجرد اختلاف في الذاكرة أو التقدير؛ فالقانون الجنائي المغربي يعرفها بأنها تغيير الحقيقة عمداً بما من شأنه تضليل العدالة، بعد أداء اليمين وفي إطار قضية قضائية، وفق الشروط المنصوص عليها قانوناً.
وتتفاوت العقوبات بحسب طبيعة القضية. ففي الجناية، ينص الفصل 369 على عقوبات سالبة للحرية قد تكون مشددة، خصوصاً إذا ثبت حصول شاهد الزور على مال أو مكافأة أو وعد مقابل شهادته. كما ينظم القانون حالات شهادة الزور في القضايا الجنحية والمدنية والإدارية.
العدالة لا تُبنى على الروايات المفبركة
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الشهادة إلى وسيلة للانتقام، أو أن تتحول الشكوى إلى أداة للضغط، أو أن يصبح التحريض وسيلة لتكوين رواية مصطنعة ضد شخص بريء.
لذلك، فإن مواجهة هذه الممارسات لا تعني التشكيك في كل شكاية أو كل شاهد، بل تعني التأكيد على قاعدة أساسية: كل ادعاء يحتاج إلى إثبات، وكل شهادة تخضع للتقييم، وكل شخص يبقى بريئاً إلى أن تثبت مسؤوليته بحكم قضائي نهائي.
وفي المقابل، فإن من يتعمد اختلاق الوقائع أو تقديم شهادة كاذبة أو التأثير على الآخرين لحملهم على الكذب، قد يجد نفسه أمام مسؤولية قانونية مستقلة عن القضية الأصلية.
رسالة إلى الجميع
في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على نشر الاتهام في دقائق، قد تحتاج السمعة سنوات لاستعادتها. ولذلك، فإن إطلاق الاتهامات دون دليل، والتحريض على الآخرين، وتزييف الوقائع، ليست مجرد تصرفات عابرة؛ بل ممارسات قد تكون لها تبعات قانونية وإنسانية واجتماعية خطيرة.
فالاختلاف مشروع، والشكوى حق، والدفاع عن النفس حق، لكن الكذب على العدالة ليس حقاً، وتحويل الخلاف إلى مؤامرة على شخص آخر ليس بطولة، واستعمال الشهادة للإضرار بالغير ليس أمراً بسيطاً.
وفي النهاية، تبقى الكلمة الفصل للقضاء، باعتباره الجهة المخولة قانوناً لتحديد الوقائع والمسؤوليات، بعيداً عن حملات التشهير والتحريض والأحكام الجاهزة.
فالعدالة تحتاج إلى الحقيقة، والحقيقة تحتاج إلى دليل، والدليل لا يصنعه التحريض ولا شهادة الزور.

