مشاهد بريس
لم يكن تعذر انعقاد الدورة العادية لشهر أكتوبر 2026 لمجلس جهة سوس ماسة بمدينة تارودانت مجرد تأجيل لجلسة بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني، بل كشف عن عمق التوترات السياسية التي باتت تخيم على تدبير شؤون المؤسسة الجهوية. فقد حضر الجلسة 21 عضوا فقط من أصل 57، فيما غاب عدد كبير من المنتخبين، في خطوة أفضت إلى تأجيل أشغال دورة كانت تتضمن 19 نقطة، من بينها اتفاقيات ومشاريع ذات أبعاد تنموية واستثمارية. وبينما قدمت مصادر إعلامية متطابقة روايات مختلفة حول خلفيات المقاطعة، تحدثت معطيات متداولة عن خلافات داخل مكونات الأغلبية بشأن طريقة إعداد جدول الأعمال وإدراج عدد من الاتفاقيات دون توافق سياسي كافٍ بين مكونات المجلس. لكن خلف هذا الخلاف السياسي العلني، تبرز أسئلة أكثر حساسية حول طبيعة بعض الاتفاقيات والجهات المستفيدة منها، وما إذا كانت المصالح الشخصية أو الحسابات المرتبطة بتوزيع المشاريع والدعم قد أصبحت جزءاً من الصراع داخل المجلس.
اتفاقيات بالملايين تثير أسئلة الحكامة وفق معطيات متداولة من داخل المجلس، فإن جزءاً من الخلاف يرتبط باتفاقيات تتراوح قيمتها بين مليوني وثلاثة ملايين درهم، يُقال إن ثلاثة منتخبين يسعون إلى الاستفادة منها أو الدفع في اتجاهها. وإذا ما تأكدت هذه المعطيات من خلال الوثائق الرسمية، فإن الأمر يستدعي أكثر من مجرد سجال سياسي؛ إذ يصبح من المشروع طرح أسئلة دقيقة حول مسار إعداد هذه الاتفاقيات، والجهات المستفيدة منها، ومعايير اختيار المشاريع، ومدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص والحكامة الجيدة. والأكثر حساسية في الرواية المتداولة هو الحديث عن استفادة قريب أحد نواب الرئيس من دعم مالي بملايين الدراهم في إطار اتفاقية مع مجلس جهة سوس ماسة. وحتى لا تتحول هذه المعطيات إلى مجرد اتهامات متبادلة، فإن الحسم فيها لا يمكن أن يتم إلا بالوثائق: من هي الجهة المستفيدة؟ ما طبيعة المشروع؟ متى أُدرجت الاتفاقية؟ من اقترحها؟ من شارك في مناقشتها والتصويت عليها؟ وهل كان المسؤول المنتخب المعني طرفاً في المداولات؟ وهل توجد، عند الاقتضاء، أي وضعية تستوجب التصريح أو التنحي تفادياً لتضارب المصالح؟
بين التدقيق المشروع وتصفية الحسابات الملف، في المقابل، يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالحديث عن المال العام والعلاقات العائلية داخل مؤسسة منتخبة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية. لذلك، فإن التحقيق الجاد يقتضي وضع الوثائق الرسمية أمام الرأي العام، ومقارنتها بمحاضر دورات المجلس، والاتفاقيات المصادق عليها، والوثائق المالية، مع الاستماع إلى المسؤولين والمنتخبين المعنيين والجهات المستفيدة. فالمطلوب ليس إدانة أي طرف مسبقاً، وإنما معرفة ما إذا كانت هذه المعطيات تستند إلى وقائع موثقة أم أنها مجرد أوراق تُستعمل في صراع سياسي محتدم.

