يوسف طرزا
أثار ما تداولته العديد من المنابر الإعلامية بشأن قرار القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة تأجيل الإعلان عن اللائحة النهائية لمرشحي الحزب للانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر المقبل، موجة من التساؤلات حول حقيقة المعايير التي تحكم عملية اختيار المرشحين، وحول مدى قدرة الأحزاب السياسية على تجديد نخبها وترسيخ الديمقراطية الداخلية.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام وطنية، فإن اللائحة التي اقترحتها اللجنة الوطنية للانتخابات مرشحة لأن تعرف تعديلات جوهرية، من خلال استبعاد أسماء تحوم حولها شبهات، وأخرى لا تتوفر على حظوظ كافية للفوز بمقاعد برلمانية. وهي معطيات تطرح أكثر من علامة استفهام، إذ كيف وصلت هذه الأسماء إلى مرحلة الترشيح أصلاً؟ وهل أصبحت الكفاءة والنزاهة معيارين ثانويين لا يتم استحضارهما إلا في اللحظات الأخيرة وتحت ضغط الحسابات الانتخابية؟
كما أن الحديث عن مفاوضات تجري على قدم وساق لاستقطاب مرشحين جدد، ومنتخبين وبرلمانيين من أحزاب أخرى، بما فيها أحزاب حليفة داخل الأغلبية الحكومية، يكشف استمرار ظاهرة الترحال السياسي التي أضعفت ثقة المواطنين في العمل الحزبي، وحولت الانتماء السياسي لدى البعض إلى مجرد بطاقة عبور نحو قبة البرلمان، بعيداً عن أي قناعة إيديولوجية أو التزام ببرنامج سياسي واضح.
الأخطر في كل ذلك أن الأحزاب، بدل أن تجعل من الانتخابات مناسبة للتنافس بين المشاريع والأفكار، تبدو منشغلة أكثر بصناعة “لوائح الفوز”، والبحث عن الأسماء القادرة على جلب الأصوات، ولو كان ذلك على حساب المناضلين الذين قضوا سنوات داخل الحزب، أو على حساب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن ما يتم تداوله إعلامياً، سواء تعلق بإبعاد أسماء تحوم حولها شبهات أو باستقطاب شخصيات وتقنوقراط ومنتخبين من أحزاب أخرى، يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام تنافس ديمقراطي حقيقي بين برامج سياسية، أم أمام إعادة توزيع للأعيان والوجوه نفسها بين الأحزاب، وفق منطق الربح والخسارة؟
فإذا كانت الأحزاب نفسها تعترف، بشكل غير مباشر، بأن بعض المرشحين لا يملكون حظوظاً للفوز، أو أن أسماء معينة تثير الجدل، فإن ذلك يؤكد أن أزمة المشهد الحزبي ليست في القوانين الانتخابية، بل في غياب إرادة حقيقية لتخليق الحياة السياسية، ووضع حد لثقافة الترحال والبحث عن “المرشح الجاهز”، التي حولت الاستحقاقات الانتخابية إلى موسم للمساومات والتحالفات الظرفية.
وأمام هذه الممارسات، يبقى الرهان الحقيقي هو استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، وهي الثقة التي لن تتحقق عبر التجمعات الضخمة والشعارات الرنانة، وإنما عبر تقديم نخب سياسية نزيهة وكفؤة، قادرة على جعل البرلمان فضاءً للتشريع والرقابة، لا مجرد محطة لتبادل المواقع والمصالح.
