
بقلم :الأستاذة أنيسة الوردي
لم يعد العيد كما كان…
لم تعد الأضحية عبادةً يختبئ فيها الإنسان خلف ستر الله، بل أصبحت عند البعض عرضًا رخيصًا فوق منصات التواصل، يتباهون فيه بما ذبحوا، وكأن الفقراء لا يرون، وكأن قلوب المحتاجين لا تنكسر.
صرنا نعيش في مجتمعٍ يلتقط الصورة قبل أن يوزع اللحم، ويبحث عن الإعجابات أكثر مما يبحث عن بيتٍ لم تدخله فرحة العيد.
مجتمعٌ فقد الإحساس حتى أصبح البعض يقف مبتسمًا بجانب أضحيته، بينما هناك أبٌ في زاوية بيتٍ مظلم يهرب من نظرات أطفاله لأنه لم يستطع شراء خروف.
أيُّ ضميرٍ هذا الذي يسمح لكم بتحويل شعيرة دينية عظيمة إلى مسابقةٍ في التفاخر؟
أيُّ إنسانية بقيت في قلوبكم وأنتم تنشرون صور الأضاحي وكأنكم تعلنون انتصاركم على الفقراء؟
هناك من يشاهد صوركم وقلبه يحترق بصمت…
هناك أمٌّ تخفي دموعها حتى لا يشعر أطفالها بالعجز…
وهناك رجالٌ حطمتهم الحياة حتى أصبح العيد بالنسبة لهم موعدًا جديدًا مع الانكسار.
لكنكم لا ترون شيئًا…
لأن من اعتاد استعراض النعمة، مات فيه الإحساس بالناس.
الأضحية ليست كاميرا.
وليست صورةً جماعية حول خروفٍ مسكين.
وليست فرصةً لقياس قيمة البشر بما يملكون.
الأضحية رحمة…
والرحمة لا تُنشر على هيئة تباهٍ يؤذي قلوب الفقراء.
الله سبحانه وتعالى لم يأمركم بإذلال المحتاجين بصوركم، بل أمركم بالستر، والصدقة، وجبر الخواطر.
لكن يبدو أن البعض حفظ مظاهر الدين، ونسي جوهره الحقيقي.
مؤلمٌ أن نرى إنسانًا لا يملك ثمن الدواء، وآخر لا يجد ثمن الأضحية، بينما الصفحات ممتلئة بالضحكات والصور والتفاخر وكأن الناس جميعًا بخير.
لا أحد يفكر في مشاعر المنكسرين، لأن هذا الزمن أصبح يقدس المظاهر ويقتل الرحمة ببطء.
صدقوني…
ليست القوة أن تتصور بجانب أضحيتك، بل القوة أن تحفظ كرامة غيرك.
وليس العيد في كثرة اللحم، بل في نقاء القلب.
أما الذين حولوا الأضحية إلى استعراضٍ فارغ، فليعلموا أن أكثر ما يفضح فقر الإنسان… ليس فقر جيبه، بل فقر أخلاقه وإنسانيته.

