يوسف طرزا
في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة، من خلال منشورات رئيس الحكومة، على إلزامية اعتماد اللغة العربية في المراسلات والوثائق الإدارية، لا تزال بعض الجماعات الترابية تواصل إعداد دفاتر التحملات ووثائق الصفقات العمومية باللغة الفرنسية، في سلوك يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام المؤسسات المنتخبة للدستور والقانون.
الفصل الخامس من دستور المملكة واضح عندما ينص على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة، كما أن الإدارة العمومية مطالبة بتكريس هذا المبدأ في مختلف معاملاتها ووثائقها. غير أن الواقع يكشف استمرار ممارسات تناقض هذا التوجه، حيث تصدر دفاتر التحملات، التي تمثل المرجع القانوني والتقني للصفقات العمومية، بلغة أجنبية، وكأن اللغة الرسمية للدولة لا وجود لها.
إن دفاتر التحملات ليست وثائق داخلية، بل وثائق عمومية تؤطر المنافسة بين المقاولات، وتحدد الحقوق والواجبات، وتمول من المال العام. لذلك فإن تحريرها بلغة أجنبية يطرح إشكالًا يتعلق بولوج جميع المتنافسين إلى المعلومة على قدم المساواة، ويثير نقاشًا حول مدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذه الممارسات بعد صدور منشورات رسمية تدعو إلى تعميم استعمال اللغة العربية داخل الإدارات العمومية يوحي بوجود تهاون في تنفيذ التوجيهات الحكومية، أو بضعف في آليات المراقبة والتتبع. فهل أصبحت بعض الجماعات الترابية تعتبر نفسها غير معنية بمنشورات رئيس الحكومة؟ ومن يتحمل مسؤولية مراقبة مدى احترام هذه التوجيهات؟
إن تعزيز مكانة اللغة العربية داخل الإدارة ليس مجرد قضية رمزية، بل هو احترام للدستور، وتكريس للسيادة القانونية، وضمان لحق المواطنين والمقاولات في الاطلاع على الوثائق الإدارية بلغة الدولة الرسمية.
وأمام استمرار هذه الاختلالات، تبرز الحاجة إلى تدخل السلطات الوصية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، من أجل توجيه الجماعات الترابية إلى التقيد بالمقتضيات الدستورية والتعليمات الحكومية، مع ترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء، حتى لا تتحول منشورات رئيس الحكومة إلى نصوص بلا أثر، ولا يبقى احترام الدستور رهينًا باجتهاد كل إدارة على حدة.
إن دولة المؤسسات لا تقاس فقط بإصدار القوانين والمنشورات، وإنما بمدى احترامها وتطبيقها على الجميع دون استثناء، بدءًا من الإدارات والجماعات الترابية التي يفترض أن تكون أول من يجسد سيادة القانون.

