يوسف طرزا
هل القانون يُطبَّق على الجميع، أم أن هناك من يعتبر نفسه فوق القانون لمجرد امتلاكه منصباً أو نفوذاً؟
أعاد فيديو متداول لدركي سابق يسرد فيه بعض المعاناة التي قد يواجهها رجال الدرك الملكي وشرطة السير والجولان أثناء مزاولتهم لمهامهم، فتح النقاش حول إشكالية خطيرة تتعلق بمدى احترام القانون، وحدود تدخل المسؤولين، والحماية التي يتمتع بها رجال الأمن عندما يطبقون القانون دون تمييز.
فبحسب ما ورد في الفيديو، قد يجد الدركي أو شرطي السير والجولان نفسه أمام مسؤول أو شخصية نافذة ارتكبت مخالفة مرورية، وعندما يطلب منه الإدلاء بوثائقه القانونية من أجل تحرير المخالفة، بدل التعامل معه باعتباره موظفاً يؤدي واجبه، قد يتعرض لأسلوب غير لائق أو لضغوط مرتبطة بصفة الشخص المعني وموقعه.
والأخطر من ذلك، وفق الرواية التي يطرحها الدركي السابق، أن الموظف الذي يفترض أن يحظى بالحماية بسبب التزامه بتطبيق القانون، قد يجد نفسه أمام إجراءات تأديبية، وكأن المشكلة ليست في المخالفة المرتكبة، وإنما في الجرأة على مطالبة صاحب النفوذ باحترام القانون!
وهنا يطرح السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل أصبح تطبيق القانون على بعض المسؤولين مخاطرة مهنية قد يدفع ثمنها رجل الأمن من مستقبله الوظيفي؟
إن رجال الدرك الملكي والأمن الوطني الذين يقفون في الشوارع والطرقات، ويواجهون يومياً مختلف السلوكيات والمخاطر، لا يمكن أن نطالبهم بتطبيق القانون على المواطن البسيط، ثم نتركهم عرضة للضغط أو الترهيب عندما يتعلق الأمر بشخص يحمل صفة مسؤول أو يتمتع بنفوذ معين.
فالقانون لا يعترف بالألقاب، ولا يتوقف عند أبواب الإدارات، ولا ينبغي أن تتغير قواعد تطبيقه بحسب المنصب أو العلاقات أو النفوذ.
المسؤول الذي يخالف قانون السير ليس فوق القانون، ورجل الأمن الذي يحرر مخالفة قانونية لا ينبغي أن يتحول إلى متهم لمجرد أن المخالف شخصية نافذة.
وإذا كانت هناك تجاوزات مهنية من طرف رجل الأمن، فإن المساطر التأديبية والقانونية تظل قائمة، لكن يجب أن تستند إلى وقائع موضوعية وأدلة واضحة، لا إلى ردود فعل انتقامية محتملة بسبب أداء الواجب. وفي المقابل، فإن أي مسؤول يسيء استعمال صفته أو يحاول التأثير على تطبيق القانون يجب أن يخضع بدوره للمساءلة وفقاً للقانون.
إن خطورة هذه الممارسات، متى ثبت وقوعها، لا تتوقف عند حدود الضرر الذي قد يلحق بدركي أو شرطي، بل تمتد إلى ضرب الثقة في المؤسسات، وإضعاف هيبة القانون، وإرسال رسالة خطيرة مفادها أن احترام القانون واجب على الضعفاء فقط، أما أصحاب النفوذ فلهم حسابات أخرى.
وهذا هو جوهر الإشكال الذي ينبغي أن تتحمل الجهات المختصة مسؤولية معالجته: كيف يمكن ضمان استقلالية رجل الأمن أثناء أداء مهامه؟ وما الضمانات التي تحميه من أي ضغط غير مشروع؟ وكيف يمكن التأكد من أن المجالس التأديبية تُفعَّل لتحقيق العدالة المهنية، وليس لمعاقبة الموظف الذي رفض التغاضي عن مخالفة؟
إن إصلاح المنظومة الأمنية لا يقتصر على مطالبة رجال الأمن بالانضباط واحترام المواطنين، بل يقتضي أيضاً حماية هؤلاء الموظفين من كل أشكال الضغط والتدخل غير المشروع، وضمان خضوع الجميع للقواعد القانونية نفسها.
فلا يعقل أن نطالب الشرطي بالصرامة مع المواطن، ثم نلومه عندما يطبق القانون على مسؤول، ولا يعقل أن نرفع شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، ثم نصمت عن أي سلوك قد يوحي بأن بعض المناصب تمنح أصحابها امتيازات خارج القانون.
إن السؤال الحقيقي ليس من هو المسؤول الذي ارتكب المخالفة، بل لماذا قد يشعر أي مسؤول بأنه يستطيع الإفلات من المحاسبة، ولماذا قد يخشى رجل الأمن عواقب تطبيق القانون على الجميع؟
إن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف من أصحاب النفوذ، وإنما بمؤسسات قوية، وقانون عادل، ومساءلة لا تستثني أحداً.
فإذا كان رجل الأمن مطالباً بتطبيق القانون على الجميع، فمن يضمن أن الجميع سيحترمون القانون عندما يتعلق الأمر بهم شخصياً؟
إنها قضية تستحق فتح نقاش جدي ومسؤول، بعيداً عن التعميم والاتهامات غير المثبتة، من أجل ترسيخ مبدأ واضح لا يقبل التأويل: لا أحد فوق القانون، ولا ينبغي أن يُعاقب أي موظف لمجرد أنه أدى واجبه في إطار القانون.

