
مصطفى بن منصور
عندما يصبح الصندوق سؤالاً وجودياً لا ورقة انتخابية
على بعد أشهر من استحقاقات 23 شتنبر 2026، لا يطرح المغرب سؤال “من سيفوز؟” بقدر ما يطرح سؤالاً أخطر: “من سيشارك أصلاً؟”.
فالمعركة الحقيقية لم تعد بين الأحزاب، بل بين المؤسسات السياسية وصمت جيل كامل.
الأرقام لا تجامل أحداً. فباستثناء انتخابات 2021 التي بلغت فيها نسبة المشاركة 50.35% بعد دمج ثلاثة استحقاقات في يوم واحد، ظلت المنحنى نزولياً ومقلقاً: 42.29% في تشريعيات 2016، و45.4% في 2011، و37% فقط في 2007 كأدنى نسبة مشاركة في تاريخ المغرب.
والأخطر أن هذه النسب تخفي وراءها “عزوفاً شبابياً” مزمناً. ففئة 18-35 سنة، التي تشكل أكثر من 40% من الناخبين المحتملين، هي الأقل حضوراً في مكاتب التصويت والأكثر حضوراً في تعليقات “ما غادي نصوت”.
لماذا يعزف الشباب؟ ثلاث كسور في الثقة*
لا يصح أن نختزل الأمر في “لا مبالاة الشباب”. فالعزوف له بنية ثلاثية:
كسر الثقة في التمثيل: حيث أن فئة واسعة من الشباب فقدت الإيمان بقدرة الأحزاب والمنتخبين على تغيير واقعها. العملية الانتخابية في نظرهم لا تترجم إلى مدارس أفضل، ولا مستشفيات أقرب، ولا فرص شغل حقيقية. فالسياسة صارت في نظرهم “موسماً” لا “مشروعاً”.
كسر الثقة في الواقع المعيشي:* إلى ذلك، يضاف الإحباط الناتج عن البطالة، وغلاء المعيشة، والشعور بالتهميش السياسي والثقافي.
كيف نطلب من شاب يبحث عن عمل كل يوم أن يصطف طواعية أمام مكتب تصويت يعتقد أنه لن يغير شيئاً؟
كسر الثقة في القنوات: ضعف التنشئة السياسية، وغياب قنوات تواصل حقيقية بين الدولة والشباب، عمّق المسافة بينهم وبين العمل السياسي المنظم.
فالخطاب الحزبي لا يزال بلغة النخبة، بينما الشباب يتحدث بلغة التيكتوك والبطالة
مفارقة “مغرب السرعتين.
هنا تكمن المفارقة المركزية: المغرب يحقق أرقاماً اقتصادية لافتة على المستوى الكلي.
25 ألف شركة جديدة في الربع الأول من 2026، وتصدر لمؤشر التصنيع الأفريقي لأول مرة في تاريخه.
وهناك حديث عن مشاريع بنية تحتية، وذكاء اصطناعي في أفق مونديال 2030.
لكن السؤال الذي يعلو على مواقع التواصل يبقى بلا إجابة: هل يشعر المواطن العادي بنتائج هذه التحولات؟
يبدو أننا أمام “مغربين”: مغرب المشاريع الكبرى والمؤشرات، ومغرب الشباب الذي لا يرى نفسه في المعادلة.
وهذه الفجوة الإدراكية هي أخطر ما يهدد العقد الاجتماعي
إن انتخابات 2026 ليست مجرد موعد دستوري. هي اختبار أخير لمصداقية الفعل السياسي.
فالشباب لا يرفض السياسة في جوهرها، بل يرفض سياسة موسمية، خطابها انتخابي، وممارستها عائلية ومصلحية.
مداخل لاستعادة الثقة
لاستعادة الثقة نحتاج أكثر لفتح الأحزاب أبوابها للكفاءات الشابة الحقيقية، وقطع مع منطق “التزكية العائلية” الذي يكرس انطباع أن السياسة ملكية خاصة.
تقديم برامج انتخابية قابلة للقياس والمتابعة.
الشباب يريد مؤشرات، لا شعارات.
النزول إلى الجامعات، المعاهد، ومقاهي المدن.
التواصل بلغة قضايا الشباب: التشغيل، السكن، الصحة النفسية، الثقافة.
ترسيخ ثقافة ربط المسؤولية بالمحاسبة. فعندما يرى الشاب منتخباً يحاسب، سيصدق أن صوته له ثمن
.
خاتمة:
إن لم تنجح استحقاقات 2026 في إعادة ربط الجسر المقطوع بين المؤسسات والشباب، فسنكون أمام جيل كامل خارج اللعبة الديمقراطية.
والعزوف هذه المرة لن يكون رقماً في تقرير، بل سيكون شهادة وفاة بطيئة لمعنى المشاركة.
لأن الديمقراطية لا تُبنى بالأصوات فقط، بل بالثقة التي تسبقها. وثمن فقدان هذه الثقة سيكون أغلى بكثير من ثمن إقناع شاب واحد بالتصويت.

