يوسف طرزا
في مشهد سياسي لافت، حضر الأعضاء الذين سبق لهم مقاطعة أشغال الدورة الاستثنائية لمجلس جماعة الدشيرة الجهادية، خلال الجلسة المنعقدة اليوم الثلاثاء 8 شتنبر 2026 بمقر الجماعة، بعدما كانت المقاطعة قد عطلت انعقاد الدورة في مناسبتين.
لكن عودة الأعضاء إلى قاعة الاجتماعات لم تكن، كما يبدو، عودة إلى منطق «كل شيء على ما يرام»، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الرئيس على تدبير المرحلة، وكانت مخرجات الدورة كافية لتكشف أن الأزمة داخل المؤسسة الجماعية لم تعد مجرد خلاف عابر بين الرئيس وبعض الأعضاء.
فالنقطة المتعلقة بدعم مشاريع الجمعيات تم تأجيلها، فيما قوبلت النقطة الخاصة بـاتفاقية شراكة لتسيير دار الفنون بالرفض، وكذلك النقطة المتعلقة بـإحداث دار المهاجر.
ولم تتوقف الرسائل السياسية عند هذا الحد، إذ تم تأجيل النقطة التاسعة المتعلقة بتحديد واجب الكراء الشهري للمحلات التجارية بسوق الغياتن، إلى جانب تأجيل اتفاقية تأهيل المركب الثقافي، بينما انتهت أشغال المجلس إلى رفض محضر لجنة الخبرة المتعلق باللوحات الإشهارية.
هذه النتائج لا تحتاج إلى كثير من التأويل؛ فحين تعود أغلبية من الأعضاء الذين قاطعوا الدورات السابقة، ثم تنتهي مجموعة من النقط بالتأجيل والرفض، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من المسؤول عن وصول مجلس جماعة الدشيرة الجهادية إلى هذه الحالة من التجاذب والاحتقان؟
الرئيس مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الوضع الذي آلت إليه المؤسسة التي يقودها. فالرئاسة ليست امتيازاً لتوزيع المواقع والاختيارات، وليست منصة لتصفية الحسابات السياسية، وإنما هي مسؤولية في تدبير مؤسسة يفترض أن تعمل بمنطق التوافق والإنصات واحترام مختلف مكونات المجلس.
وإذا كان الرئيس قد نجح في جمع الأعضاء داخل القاعة اليوم، فإنه لم ينجح في جمع مواقفهم حول جدول الأعمال.
وهنا تكمن المفارقة.
الأعضاء حضروا، لكن عدداً من نقط الرئيس لم تمر.
فهل يتعلق الأمر بمجرد خلافات تقنية حول بعض الملفات، أم أن الأمر أصبح يعكس أزمة ثقة حقيقية بين الرئيس وأعضاء المجلس؟
الدشيرة الجهادية لا تحتاج إلى مجلس يعيش على وقع الشد والجذب، ولا إلى دورات تتحول إلى ساحات لتبادل الرسائل السياسية. المدينة تحتاج إلى مؤسسة جماعية قادرة على اتخاذ القرارات، وتنفيذ المشاريع، والدفاع عن مصالح السكان بعيداً عن الحسابات الانتخابية والصراعات الشخصية.
واليوم، بعد مخرجات هذه الدورة، أصبح من الصعب على الرئيس أن يتعامل مع الوضع بمنطق أن المشكلة في «المقاطعين» فقط.
فالمقاطعة انتهت بالحضور، لكن الأزمة بقيت داخل القاعة.
والرسالة الأقوى التي حملتها دورة 8 شتنبر هي أن الأغلبية العددية لا تعني بالضرورة أغلبية سياسية متماسكة، وأن تدبير الجماعة بمنطق فرض الاختيارات بدل بناء التوافق قد يقود في النهاية إلى شلل المؤسسة.
لقد آن الأوان للرئيس أن يجيب بوضوح: كيف وصلت جماعة الدشيرة الجهادية إلى هذا المستوى من الانقسام؟ ومن يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع داخل مؤسسة يفترض أن تكون ملكاً للمدينة، وليس للرئيس أو لأي فريق سياسي؟
