بقلم: شعيب خميس
في اليوم الذي يسبق انتخابات المجلس الوطني للصحافة، لا تبدو المعركة مجرد سباق بين أسماء تبحث عن مقاعد داخل مؤسسة مهنية، بل تبدو أقرب إلى اختبار حقيقي لصورة الصحافي عن ممثله، ولقدرة المرشح على الانتقال من فضاء الخطاب إلى فضاء المسؤولية.
وفي قلب هذا الاستحقاق تبرز الصحافية حنان رحاب، التي اختارت أن تخوض المنافسة الانتخابية بشعار لافت: «الثقة مواقف»؛ وهو شعار يحمل في حد ذاته أكثر من دلالة، لأنه يجعل المواقف السابقة للمرشح جزءاً من عملية التقييم، وليس فقط ما يقال خلال أيام الحملة.
انتخابات في توقيت حساس
تأتي انتخابات المجلس الوطني للصحافة في ظرفية مهنية دقيقة، بعد سنوات من النقاش حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة، وحول طبيعة العلاقة بين استقلالية المهنة والإطار المؤسساتي الذي يؤطرها.
وبحسب المعطيات المنشورة من طرف اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة وتحضير الانتخابات، فقد تم حصر اللائحة النهائية في 39 مترشحاً ومترشحة، بعد دراسة 41 طلب ترشيح وإقصاء طلبين لعدم استيفائهما الشروط القانونية والتنظيمية.
أما موعد الحسم، فهو 15 شتنبر 2026، في اقتراع يجري على صعيد الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، في محطة يفترض أن تعيد للمؤسسة المنتخبة شرعيتها التمثيلية بعد مرحلة طويلة من النقاش حول تدبير شؤون القطاع.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: من سيفوز؟
بل: ماذا سيفعل الفائزون بالثقة التي سيمنحها لهم الصحافيون؟
حنان رحاب.. اختيار الدخول من باب «المواقف»
اختارت حنان رحاب ألا تجعل حملتها قائمة فقط على تقديم نفسها كمرشحة، وإنما ربطت ترشحها بمفهوم الثقة.
وهنا تكمن أهمية الشعار الانتخابي الذي ترفعه: «الثقة مواقف».
فالثقة في العمل المهني لا تُبنى في يوم انتخابي واحد، كما أن التمثيلية ليست امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية تجاه فئة مهنية تواجه تحديات متزايدة.
ومن خلال الخطاب الذي قدمته خلال حملتها، تضع رحاب في الواجهة مجموعة من القضايا المرتبطة بالصحافي نفسه: ظروف العمل، الحقوق الاجتماعية، الحماية المهنية، الحوار، أخلاقيات المهنة، ومواجهة التحولات التي فرضتها الصحافة الرقمية.
وهذه ليست قضايا هامشية.
فالصحافي الذي يعمل في مؤسسة تعاني اقتصادياً، أو يشتغل في ظروف مهنية صعبة، أو يجد نفسه أمام مستقبل غامض، لا يحتاج فقط إلى مؤسسة تمنحه بطاقة مهنية؛ بل يحتاج إلى تمثيلية تشعر بمشاكله وتدافع عن كرامته المهنية.
المعركة الحقيقية ليست على المقعد
من السهل أن تتحول انتخابات الهيئات المهنية إلى منافسة على المقاعد.
لكن المجلس الوطني للصحافة ليس مجرد عدد من الكراسي.
إنه مؤسسة مرتبطة بصورة المهنة وبأخلاقياتها وبقدرتها على تنظيم ذاتها والدفاع عن مكانتها داخل المجتمع.
ولهذا فإن الاختيار الذي سيقوم به الصحافيون لا ينبغي أن يكون مبنياً فقط على شهرة الاسم أو قوة الحملة الانتخابية، وإنما على سؤال أكثر عمقاً:
من يستطيع أن يكون صوتاً للصحافي عندما تنتهي الحملة؟
هنا تحديداً تصبح تجربة المرشح ومواقفه وقدرته على الحوار عناصر لا تقل أهمية عن البرنامج المكتوب.
لماذا تحضر قضية الكرامة بقوة؟
من أبرز النقاط التي تجعل خطاب حنان رحاب قابلاً للنقاش المهني الجاد، تركيزه على كرامة الصحافي وحقوقه.
فالصحافة ليست مجرد مهنة للكتابة أو التصوير أو نقل الأخبار.
هي أيضاً مهنة تقوم على المسؤولية، وفي المقابل تحتاج إلى شروط تسمح للصحافي بأداء مهمته باستقلالية ومهنية.
ومن الصعب الحديث عن صحافة قوية ومستقلة دون الحديث عن صحافي يشعر بالأمان المهني والاجتماعي.
ولهذا فإن الدفاع عن تحسين ظروف العمل، والحماية الاجتماعية، والتكوين، والارتقاء بالممارسة المهنية، كلها ملفات تتجاوز الأشخاص وتلامس جوهر مستقبل القطاع.
بين «القديم» و«الجديد»
أحد أبرز الأسئلة التي تطرحها هذه الانتخابات يتمثل في طبيعة التجديد المطلوب داخل المجلس.
هل المطلوب القطيعة مع كل التجارب السابقة؟
أم الاستفادة من تراكمها مع فتح الباب أمام وجوه وأفكار جديدة؟
ربما تكمن الإجابة الأكثر واقعية في الجمع بين الأمرين: الاستفادة من التجربة دون تحويلها إلى احتكار، وتجديد الدماء دون إلغاء الذاكرة المهنية.
وهنا تكتسب مشاركة أسماء لها حضور سابق في النقاش المهني والنقابي أهمية خاصة، لأنها ستكون مطالبة بتقديم حصيلة ومواقف قابلة للنقاش، لا بمجرد رفع شعارات انتخابية.
حين تنتهي الحملة يبدأ الاختبار
الانتخابات تنتهي في ساعات.
أما المسؤولية فتستمر لسنوات.
وهذا هو الامتحان الحقيقي لحنان رحاب، كما هو الامتحان الحقيقي لكل مرشح سيفوز بثقة الصحافيين.
فإذا كان شعارها هو «الثقة مواقف»، فإن الناخبين سيكونون أمام فرصة لتحويل هذا الشعار إلى معيار للمساءلة:
ما الموقف من الصحافي الذي يفقد عمله؟
ما الموقف من المقاولات الصحافية المتعثرة؟
ما الموقف من الصحافة الإلكترونية؟
ما الموقف من الذكاء الاصطناعي وتأثيره على المهنة؟
ما الموقف من أخلاقيات الممارسة؟
ما الموقف من الصحافي الذي يعمل خارج المركز، بعيداً عن المؤسسات الكبرى؟
وما الموقف من ضرورة أن يكون المجلس فضاءً للحوار المهني الحقيقي؟
هذه الأسئلة هي التي ستمنح الانتخابات معناها الحقيقي.
لا يكفي أن يفوز المرشح.. المهم أن تنجح المهنة
المنافسة الانتخابية بطبيعتها تفرز فائزين وخاسرين.
لكن في انتخابات مؤسسة مهنية من المفترض أن يكون هناك فائز أكبر من جميع الأسماء: الصحافة المغربية نفسها.
ولهذا فإن نجاح حنان رحاب، أو أي مرشح آخر، لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأصوات التي سيحصل عليها، وإنما بمدى قدرته لاحقاً على تحويل تلك الأصوات إلى مبادرات ومواقف وسياسات مهنية ملموسة.
أما الصحافيون، فليسوا أمام مجرد ورقة اقتراع.
إنهم أمام لحظة لاختيار من يرونه قادراً على تمثيلهم في مرحلة تتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية والجرأة والقدرة على الاستماع.
كلمة أخيرة
غداً، عندما تفتح صناديق الاقتراع، ستنتهي مرحلة الكلام وتبدأ مرحلة الحساب.
حساب البرامج، وحساب التجارب، وحساب المواقف.
وإذا كانت حنان رحاب قد اختارت أن تختصر رسالتها الانتخابية في عبارة «الثقة مواقف»، فإن المعنى الأعمق لهذه العبارة أن الثقة ليست شيكاً على بياض.
الثقة تُمنح في صندوق الاقتراع، لكنها لا تُحافظ عليها إلا المواقف.
وفي نهاية المطاف، لن يكون الرهان الحقيقي هو من حمل الرقم الأول أو الثاني أو غيره، بل من يستطيع أن يجعل من عضويته داخل المجلس مسؤولية تجاه كل صحافي، لا امتيازاً خاصاً به.
فالمجلس القوي لا يصنعه الفائزون وحدهم، وإنما تصنعه أيضاً ثقة الصحافيين، وقدرة ممثليهم على تحويل تلك الثقة إلى فعل مهني ومؤسساتي.

