مشاهد بريس
أعاد ملف صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، القيادي بحزب التجمع الوطني للأحرار، إشعال النقاش السياسي والإعلامي، في ظرفية دقيقة تسبق الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026. وإذا كان من الضروري التعامل بحذر مع أي تسجيل مسرب، وعدم الجزم بصحة مضمونه أو نسبته قبل التحقق، فإن خطورة ما ورد فيه ــ إن ثبتت صحته ــ تستحق نقاشاً سياسياً صريحاً، بعيداً عن محاولات اختزال القضية في مجرد تسريب لا أكثر.
فالتسجيل، بحسب ما تم تداوله، يتحدث بلغة حادة عن استقطاب المرشحين والمنتخبين، وانتقال الوجوه السياسية بين التنظيمات، كما يتضمن إشارات إلى فوزي لقجع وحزب الأصالة والمعاصرة. وهذه المضامين، إذا كانت صحيحة، تكشف أن المعركة الانتخابية المقبلة لا تدور فقط حول البرامج والحصيلة والبدائل، وإنما أصبحت أيضاً ساحة مفتوحة للاستقطاب وإعادة ترتيب الخريطة الحزبية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام مجرد خلافات داخلية طبيعية، أم أن الأمر يكشف بداية تصدع سياسي داخل حزب الأحرار؟
الخلافات داخل الأحزاب ليست عيباً في حد ذاتها، بل قد تكون دليلاً على وجود نقاش داخلي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الخلافات إلى صراع حول المواقع والمرشحين والمنتخبين، وعندما يصبح استقطاب الأشخاص أهم من استقطاب الأفكار والبرامج. فالحزب الذي يقود الحكومة مطالب قبل غيره بأن يقدم للمواطن حصيلة واضحة، وأن يخوض المنافسة السياسية بمنطق الإنجاز والإقناع، لا بمنطق الخوف من انتقال هذا المنتخب أو ذاك إلى حزب منافس.
والأخطر أن صدور مثل هذه التصريحات، إذا تأكدت نسبتها إلى قيادي بارز، يطرح سؤالاً أكبر حول طبيعة المنافسة السياسية المقبلة: هل سيكون المواطن هو محور المعركة الانتخابية، أم ستتحول الانتخابات إلى سوق مفتوحة لاستقطاب الأسماء والمنتخبين؟ إن الحديث عن "خطف المرشحين" و"استمالة المنتخبين"، إن صح، لا ينبغي أن يُقابل فقط بالدفاع عن حرمة الاجتماعات الداخلية أو البحث عن هوية من سرّب التسجيل. فالرأي العام من حقه أن يسأل عن مضمون الكلام نفسه، وعن حقيقة ما يجري خلف الكواليس، وعن مدى احترام الأحزاب لقواعد التنافس السياسي النزيه.
كما أن حزباً يقود الحكومة لا يمكنه أن يطلب من المواطنين محاسبته على ما أنجزه، ثم يجعل معركته الأساسية مع الأحزاب الأخرى تدور حول من استقطب هذا المنتخب أو ذاك. السياسة ليست ملكية خاصة للأشخاص، والمنتخب ليس بطاقة حزبية قابلة للتداول، والمواطن ليس رقماً انتخابياً يُستقطب قبل موعد الاقتراع.
وإذا كان حزب الأحرار واثقاً من حصيلته، ومن قدرته على إقناع الناخبين، ومن قوة مشروعه السياسي، فإن الطريق الطبيعي أمامه هو عرض الحصيلة، تقديم البرنامج، الدفاع عن الاختيارات، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع. أما الانشغال المفرط بحركة المرشحين والمنتخبين فقد يعطي انطباعاً بأن المعركة الحقيقية ليست مع المنافسين في البرامج، وإنما مع الخوف من فقدان بعض الوجوه الانتخابية.
لذلك، فإن الكلام المنسوب إلى قيادي من وزن رشيد الطالبي العلمي ليس مجرد مادة للتراشق السياسي، بل يستحق توضيحاً سياسياً مسؤولاً، خصوصاً أن البلاد مقبلة على استحقاق انتخابي حاسم. والرد الأقوى ليس مهاجمة من نشر التسجيل، وإنما توضيح حقيقة مضمونه، ووضعه في سياقه، والرد على ما أثاره من أسئلة.
أما الحديث عن بداية نهاية حزب الأحرار، فقد يكون سابقاً لأوانه، لأن الأحزاب لا تسقط بتسجيل واحد ولا تنهار بخلاف داخلي. لكنها قد تبدأ في فقدان ثقة المواطنين عندما يصبح الصراع على الأشخاص أقوى من الصراع حول الأفكار، وعندما تغيب الحصيلة عن واجهة الخطاب السياسي.
فالانتخابات المقبلة ينبغي ألا تكون سباقاً نحو جمع المرشحين والمنتخبين، بل سباقاً نحو إقناع المواطن. ومن يملك حصيلة قوية وبرنامجاً مقنعاً لا يحتاج إلى الخوف من انتقال الأسماء، لأن الرهان الحقيقي ليس على الأشخاص وحدهم، وإنما على ثقة الناخبين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: هل يملك حزب الأحرار ما يكفي من الحصيلة والبرنامج للدخول إلى الانتخابات بثقة، أم أن كواليس الاستقطاب بدأت تكشف عن قلق أكبر مما يظهر في الواجهة؟
