مشاهد بريس
في مشهد سياسي اختار أن يسبق ساعة الحسم الانتخابي بوقت كافٍ، احتضنت مدينة بوجدور، مساء الثلاثاء فاتح شتنبر، لقاءً تواصلياً لحزب الأصالة والمعاصرة، جمع مناضلي ومناضلات الحزب بالإقليم، في محطة بدت محكومة بهاجس واحد: ترتيب البيت الداخلي، استنهاض الهمم، والاستعداد لمعركة انتخابية عنوانها الأبرز هو ثقة المواطن.
اللقاء، الذي ترأسه كل من عبد الله دبدا وأحمد خيار، لم يكن مجرد مناسبة لتبادل الكلمات أو استعراض المواقف، بل شكل لحظة تنظيمية وسياسية لإعادة ضبط إيقاع العمل الميداني، واستشراف المرحلة المقبلة بمنطق الجاهزية، في أفق استحقاقات يُراد لها أن تفتح الطريق أمام تصور تنموي أكثر قدرة على مواكبة انتظارات إقليم بوجدور.
ومن داخل هذا اللقاء، برزت قناعة مفادها أن الانتخابات لا تُختزل في يوم الاقتراع، وأن السباق الحقيقي يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ من الإنصات للساكنة، والاحتكاك اليومي بقضاياها، وتحصين الثقة، وتحويل العمل السياسي إلى التزام فعلي تجاه المجال والإنسان.
دبدا يضع الثقة في قلب المعادلة
عبد الله دبدا، وهو يخاطب مناضلي الحزب، شدد على أن الأصالة والمعاصرة يتوفر على رصيد بشري ولوجستيكي يتيح له خوض المرحلة المقبلة بأريحية أكبر، مستنداً إلى ما وصفه بتلاحم النسيج النضالي للحزب، والذي يضم مختلف الشرائح الاجتماعية داخل المجتمع البوجدوري.
لكن الأهم في الرسالة التي حملتها كلمته كان وضع ثقة المواطن في صدارة الأولويات؛ باعتبارها الرأسمال الحقيقي لأي مشروع سياسي يريد أن يثبت حضوره في الميدان، وأن يحول الحضور التنظيمي إلى قوة اقتراح وتأثير.
ففي الحسابات السياسية الجديدة، لا تكفي كثافة الحضور ولا صلابة التنظيم وحدهما؛ إذ تظل القدرة على إقناع المواطن بأن السياسة يمكن أن تكون فعلاً أداة لتحسين شروط عيشه، هي الاختبار الأكثر صعوبة والأكثر حسماً.
خيار: ما تحقق ليس نهاية الطريق
من جانبه، أكد أحمد خيار أن حزب الأصالة والمعاصرة يواصل الانطلاق من انتظارات ساكنة الإقليم، واضعاً نفسه رهن إشارتها، ومعتبراً أن ما تحقق خلال السنوات الماضية يمثل دليلاً على وجود مسار من العمل الجاد الذي لا يزال مفتوحاً على مزيد من الاشتغال.
رسالة خيار حملت، في جوهرها، تصوراً يقوم على الاستمرارية بدل القطيعة؛ أي البناء على ما تحقق، وتثمين المنجز، ومواصلة الاشتغال بالروح نفسها التي طبعت المرحلة السابقة، مع الحفاظ على منسوب الحماس والجدية.
وهي معادلة تسعى من خلالها قيادة الحزب بالإقليم إلى تقديم الاستحقاقات المقبلة باعتبارها امتداداً لمسار سابق، وليس مجرد محطة انتخابية منفصلة عن سياقها المحلي.
حصيلة التدبير في واجهة النقاش
أما أحمدناه أبيه، فقد خصص جانباً من مداخلته لاستعراض أبرز المنجزات التي تحققت من خلال تدبير الحزب لعدد من الجماعات الترابية، وفي مقدمتها المجلس الإقليمي، مقدماً الحصيلة باعتبارها رصيداً يمكن الاحتكام إليه عند تقييم التجربة.
واستند العرض إلى عدد من الملفات ذات الارتباط المباشر بالحياة اليومية للمواطن، لاسيما الصحة والتعليم والمجال الاجتماعي، في إشارة إلى أن رهانات التدبير الترابي لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم المشاريع، وإنما كذلك بمدى قدرتها على ملامسة الحاجات الفعلية للساكنة.
وبذلك، تحولت الحصيلة إلى عنصر أساسي في خطاب المرحلة المقبلة: ما تحقق يصبح أرضية للانطلاق، وما لم يتحقق يتحول إلى تحدٍّ يستوجب استكمال المسار.
التعبئة.. كلمة السر في المرحلة المقبلة
المداخلات التي أعقبت ذلك سارت في الاتجاه نفسه، من خلال التشديد على ضرورة الاستعداد الجاد لما تحمله المرحلة القادمة من تحديات، ورفع منسوب التعبئة داخل صفوف الحزب، إلى جانب ترسيخ التواصل المستمر مع الساكنة باعتباره خياراً سياسياً وتنظيمياً لا غنى عنه.
فالرهان، كما عكسته مضامين اللقاء، يتجاوز منطق التعبئة الظرفية المرتبطة بقرب الانتخابات، نحو بناء حضور ميداني دائم يجعل التواصل مع المواطن جزءاً أصيلاً من العمل السياسي، وليس مجرد آلية انتخابية موسمية.
ومن هنا، فإن بوجدور تبدو مقبلة على مرحلة ستتقدم فيها البرامج والحصائل والقدرة على الإقناع إلى واجهة المشهد، في وقت تسعى فيه مختلف القوى السياسية إلى تثبيت حضورها واستقطاب ثقة الناخبين.
«البام» يبعث برسالة الجاهزية
لقاء الثلاثاء حمل، في المحصلة، رسالة سياسية وتنظيمية واضحة: حزب الأصالة والمعاصرة ببوجدور يريد دخول الاستحقاقات المقبلة من موقع الجاهزية، مستنداً إلى تنظيمه، وحصيلته في تدبير عدد من المؤسسات المنتخبة، وإلى رصيد من العمل الذي يقدمه باعتباره أساساً لمواصلة المسار.
غير أن السياسة، في نهاية المطاف، لا تمنح صكوكاً مسبقة؛ فكل حصيلة تظل مطالبة بأن تتحول إلى قناعة، وكل تعبئة تظل في حاجة إلى ترجمتها إلى ثقة، وكل وعد لا يكتسب قيمته إلا عندما يجد طريقه إلى الواقع.
وبين حسابات التنظيم، ورصيد الحصيلة، وانتظارات الساكنة، تبدأ ملامح سباق جديد في بوجدور؛ سباق لن يكون الرهان فيه على الحضور وحده، وإنما على من يمتلك القدرة على جعل المواطن يرى في السياسة مشروعاً للمستقبل، لا مجرد موعد مع صندوق الاقتراع.
