يوسف طــــرزا
في سابقة تثير الكثير من علامات الاستفهام على مستوى التدبير الجماعي بعمالة إنزكان آيت ملول، تضع جماعة الدشيرة الجهادية نفسها أمام أسئلة ثقيلة بشأن توقيت وطريقة برمجة منح الجمعيات، في وقت لا يفصل عن انطلاق الحملة الانتخابية سوى أيام معدودة.
فهل يتعلق الأمر بقرار إداري عادي يندرج ضمن التدبير الطبيعي للشأن المحلي؟ أم أن توقيت تمرير هذه القرارات، وحجم الاعتمادات المرصودة لها، يفتح الباب أمام شبهة استعمال المال العام في سياق انتخابي سابق لأوانه؟
الخطير في الموضوع أن دورة استثنائية للمجلس تتضمن نقطة مرتبطة بمنح الجمعيات الثقافية والرياضية، بمبلغ يقارب 1.300.000 درهم، وهو رقم ليس بالهين، خصوصاً عندما يطرح في هذا التوقيت بالذات، وعلى بُعد أيام قليلة من الاستحقاقات الانتخابية.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً مشروعاً: لماذا الآن؟ لماذا لم تتم معالجة هذه المنح في توقيت إداري عادي، وبعيداً عن أجواء الاستحقاقات الانتخابية؟ ولماذا يتم وضع أموال عمومية موجهة أصلاً لدعم العمل الجمعوي في لحظة سياسية شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي قرار مالي أن يتحول إلى أداة للتأثير والاستمالة؟ المال العام ليس خزينة انتخابية إن المال العام ليس ملكاً للمجالس المنتخبة ولا ورقة انتخابية في يد المسيرين، بل هو أموال المواطنين، وتدبيره يجب أن يخضع لمبادئ الحياد، والشفافية، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة. والجمعيات بدورها ليست خزانات انتخابية، ولا يجوز أن تتحول المنح العمومية إلى وسيلة لصناعة الولاءات أو شراء الصمت أو استمالة الفاعلين الجمعويين.
فإذا كانت المنح مستحقة فعلاً، فلتُصرف وفق معايير واضحة وموضوعية وشفافة، وبعيداً عن أي شبهة انتخابية. أما أن تتزامن قرارات مالية بملايين السنتيمات مع اقتراب موعد الحملة الانتخابية، فذلك كافٍ لطرح علامات استفهام حقيقية تستوجب التوضيح والمراقبة.
علامة استفهام أخرى لا تقل أهمية ترتبط باتفاقية شراكة لتسيير "دار الفنون"، مع التزام مالي يقدر بحوالي 200.000 درهم، إضافة إلى تحمل الجماعة لأشغال الصيانة والبستنة والنظافة، ومصاريف الهاتف والإنترنت، فضلاً عن توفير عمال مياومين لفائدة الجمعية المستفيدة.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمبلغ مالي محدد، بل بمنظومة من الامتيازات والتكاليف التي ستتحملها الجماعة، أي المواطن في نهاية المطاف.
فما هي المعايير التي تم اعتمادها لاختيار الجمعية المستفيدة؟ وهل فُتحت المنافسة أمام باقي الجمعيات؟ وهل يوجد دفتر تحملات واضح وشفاف يضمن تكافؤ الفرص؟ ومن يحدد شروط الاستغلال والاستفادة؟ ومن يراقب تنفيذ الاتفاقية؟
وهل تستطيع أي جمعية أخرى في المدينة الاستفادة من نفس الامتيازات إذا توفرت فيها الشروط نفسها؟ هذه ليست أسئلة للمزايدة السياسية، وإنما أسئلة مشروعة تفرضها قواعد الحكامة الجيدة وحماية المال العام.
السلطة المحلية أمام مسؤوليتها
أمام هذه المعطيات، تجد السلطة المحلية نفسها أمام مسؤولية لا يمكن القفز عليها، وفي مقدمتها باشا مدينة الدشيرة الجهادية، باعتباره جزءاً من منظومة مراقبة وتتبع احترام القوانين والضوابط المنظمة لعمل الجماعات.
فالمطلوب ليس الدخول في مواجهة مع المجلس، ولا تعطيل العمل الجمعوي، وإنما ضمان عدم توظيف القرارات المالية والمرافق العمومية في أي غرض انتخابي أو فئوي.
ومن هنا، فإن تأجيل التداول في هذه النقط الحساسة إلى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية، متى كان ذلك منسجماً مع المقتضيات القانونية والتنظيمية، سيكون خطوة احترازية من شأنها إبعاد المجلس والسلطات عن أي شبهة أو تأويل انتخابي.
كما أن وضع دفتر تحملات واضح وموحد للمرافق الثقافية والاجتماعية أصبح ضرورة وليس ترفاً، حتى لا تتحول المرافق العمومية إلى امتيازات تمنح لجمعيات دون أخرى، أو إلى أبواب خلفية للريع الجمعوي. المواطن يريد جواباً واضحاً
المواطن الدشيري اليوم لا يريد توزيع الاتهامات، بل يريد أجوبة واضحة: لماذا تمت برمجة هذه المنح في هذا التوقيت؟ ما هي معايير الاستفادة؟ هل استفادت جميع الجمعيات وفق نفس الشروط؟ ما هي الأسس القانونية لاختيار الجمعية المكلفة بتسيير دار الفنون؟ ولماذا تتحمل الجماعة كل هذه المصاريف والامتيازات لفائدة جمعية بعينها؟
والأهم من ذلك كله: هل تمت مراعاة دوريات وتعليمات وزارة الداخلية المتعلقة بضرورة تحييد تدبير الشأن العام والمال العمومي عن الاستحقاقات الانتخابية؟
إن الصمت عن هذه الأسئلة لن يزيد الملف إلا غموضاً، بينما الشفافية تقتضي نشر المعايير والوثائق والاتفاقيات أمام الرأي العام.
فـالجماعة ليست ملكاً للأغلبية، والمال العام ليس رصيداً انتخابياً، والجمعيات ليست أصواتاً قابلة للشراء بالمنح.
وفي زمن الانتخابات، تصبح كل درهم من المال العام تحت المجهر، وكل قرار مالي بحاجة إلى مضاعفة الحيطة والشفافية، حتى لا تتحول المنحة إلى ورقة انتخابية، ولا يتحول المرفق العمومي إلى غنيمة فئوية.
الدشيرة الجهادية اليوم أمام اختبار حقيقي: هل تكون المنح دعماً للعمل الجمعوي وفق القانون وتكافؤ الفرص، أم تتحول إلى عنوان جديد لاستغلال المال العام في زمن الانتخابات؟







