وزارة النقل واللوجيستيك تحت النار.. مليارات تُصرف وفوضى تتسع وأزمة الحكامة مستمرة

2026-08-26T14:07:52+00:00
2026-08-26T14:07:55+00:00
وطنيات
zibenمنذ 41 ثانيةwait... مشاهدةآخر تحديث : منذ 41 ثانية
وزارة النقل واللوجيستيك تحت النار.. مليارات تُصرف وفوضى تتسع وأزمة الحكامة مستمرة

مشاهد بريس

بين طموحات المغرب في بناء منظومة نقل حديثة تنافس إقليمياً، وبين واقع الطرق والمحطات والمطارات والنقل المهني، تبدو وزارة النقل واللوجيستيك وكأنها عالقة في أزمة تدبير تتجاوز الأشخاص لتتحول إلى أزمة حكامة حقيقية. فالمشكل لم يعد مرتبطاً فقط بمرحلة الوزير السابق محمد عبد الجليل، بل امتد إلى الولاية الحالية للوزير عبد الصمد قيوح، بما يطرح سؤالاً أكثر إحراجاً: لماذا تتغير الوجوه بينما تستمر الاختلالات نفسها؟

المغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من البلاغات والتصريحات، بل إلى نتائج ملموسة في حياتهم اليومية. فالمليارات التي ضُخت في دعم مهنيي النقل لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات كانت يفترض أن تنعكس على كلفة النقل وعلى القدرة الشرائية للمواطن، غير أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات أثار إشكالات جوهرية بشأن غياب أثر ملموس لهذا الدعم على الأسعار النهائية. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد خلل تقني، بل بسؤال صريح حول الحكامة: أين ذهبت مليارات الدراهم؟ ومن استفاد منها فعلياً؟ ولماذا لم يشعر المواطن بأن المال العام الذي أُنفق باسمه عاد عليه بفائدة واضحة؟

إن صرف المال العام دون ربطه بنتائج قابلة للقياس يجعل الدعم يتحول من أداة لإنقاذ المواطنين والمهنيين إلى مجرد مسكن مؤقت لأزمة مزمنة. والأخطر من ذلك أن استمرار الارتباك في المنظومة الرقمية والتدبيرية للدعم، وتوالي احتجاجات المهنيين، يكشفان أن الوزارة لم تنجح بعد في بناء آلية مستقرة وشفافة قادرة على تدبير هذا الملف بعيداً عن منطق ردود الفعل.

وفي السلامة الطرقية، تبدو الصورة أكثر قتامة. فالحرب على الطرقات لا تزال تحصد الأرواح، بينما تتحول الاستراتيجيات الوطنية إلى أرقام وشعارات لا تكفي وحدها لحماية المواطن. المطلوب ليس حملات موسمية ولا بلاغات تثير الجدل، بل معالجة جذور المعضلة: مراقبة حقيقية، بنية تحتية سليمة، احترام صارم لقواعد السير، مراقبة المركبات، ومحاربة السلوكيات التي تهدد حياة مستعملي الطريق.

وحين تصدر قرارات أو بلاغات مرتبطة بمراقبة الدراجات النارية المعدلة أو غيرها من وسائل النقل دون وضوح كافٍ في كيفية التطبيق والتدرج فيه، فإن النتيجة الطبيعية تكون الارتباك والاحتقان. فالقانون يجب أن يكون واضحاً، والمراقبة يجب أن تكون عادلة، والتنزيل يجب أن يكون مفهوماً للمواطن والمهني على حد سواء.

أما المحطات الطرقية، فقد أصبحت في عدد من المناسبات عنواناً للفوضى. ومع حلول الأعياد والعطل ومواسم السفر، تعود شكاوى المسافرين من ارتفاع أسعار التذاكر والمضاربات إلى الواجهة، وكأن الوزارة تنتظر كل موسم لتكتشف أن المحطات تحتاج إلى مراقبة. أين أجهزة المراقبة؟ وأين الردع؟ وأين حماية المسافر من الاستغلال؟

ولا تتوقف الحكاية هنا، فسيارات الأجرة في المدن السياحية تواجه بدورها انتقادات متكررة بسبب التسعيرات العشوائية وغياب الانضباط، في وقت يراهن فيه المغرب على السياحة باعتبارها أحد محركات الاقتصاد الوطني. فكيف نريد للسائح أن يعود، وللمغرب أن ينافس وجهات دولية، بينما قد تتحول رحلة قصيرة من المطار أو المحطة إلى تجربة تفاوض وصراع حول السعر؟

حتى النقل الجوي، الذي يفترض أن يكون واجهة لبلد يسعى إلى تعزيز موقعه كمركز إقليمي، لم يسلم من الانتقادات المرتبطة بالتدبير الإداري والتعيينات والتكليفات، وما قد يترتب عنها من بطء في تنفيذ المشاريع والملفات الاستراتيجية. وفي القطاعات الحساسة، لا يمكن أن تكون المسؤولية الإدارية مجالاً للارتجال، لأن أي ارتباك ينعكس في النهاية على جودة الخدمات وعلى صورة المغرب.

والمفارقة الأكثر إثارة للسؤال أن وزارة النقل نفسها وجدت موظفيها وأطرها يحتجون بسبب مشاكل مرتبطة بالنقل الوظيفي. فإذا كانت الوزارة عاجزة عن تدبير تنقل موظفيها، فكيف ستقنع المواطنين والمهنيين بأنها قادرة على بناء منظومة نقل فعالة ومتكاملة؟ إنها صورة تختصر الكثير من الكلام: أزمة في الخارج تقابلها أزمة في الداخل.

وفي قطاع النقل السياحي، تبدو معاناة المقاولات الصغيرة والمتوسطة أكثر قسوة، في ظل تراكم الديون وارتفاع تكاليف التأمين وتزايد الأعباء، بينما يظل الدعم والمواكبة دون مستوى التحديات التي تواجه هذا القطاع المرتبط مباشرة بالسياحة. إن ترك المقاولات تنهار ثم انتظار نتائج جيدة للسياحة يشبه محاولة إصلاح محرك سيارة بعد نفاد كل أجزائه.

المغرب لا يعاني من نقص في الموارد ولا من غياب الخطط على الورق، وإنما يعاني في كثير من الأحيان من ضعف الانتقال من القرار إلى التنفيذ، ومن غياب التقييم الحقيقي للنتائج. فالمشكلة ليست أن نعلن عن استراتيجية جديدة، وإنما أن نعرف ماذا تحقق من الاستراتيجية السابقة، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق، وما هي الإجراءات التي اتخذت لتصحيح المسار.

وزارة النقل واللوجيستيك مطالبة اليوم بالخروج من منطق تدبير الأزمات إلى منطق استباقها. المواطن يريد حافلة بسعر معقول، وطريقاً آمناً، ومحطة منظمة، وسيارة أجرة تحترم التسعيرة، ومطاراً يقدم خدمة تليق بصورة المغرب، ومهني نقل يجد أمامه إدارة واضحة لا منظومة من التعقيدات والارتجال.

لقد حان الوقت لربط كل درهم من المال العام بالنتيجة التي حققها، وربط كل مسؤولية بالمحاسبة، وكل استراتيجية بمؤشرات قياس حقيقية. فالدعم ليس شيكاً على بياض، والبلاغ الوزاري ليس إنجازاً، والاستراتيجية ليست نجاحاً بمجرد الإعلان عنها.

الوزارة اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تنتقل من تدبير الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن ردود الفعل إلى التخطيط، ومن الأرقام الرسمية إلى النتائج التي يلمسها المواطن، أو أن تستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها، حيث تتغير الحكومات والوزراء وتبقى أزمة النقل كما هي.

المطلوب ليس معجزة، بل حكامة. وليس مزيداً من الشعارات، بل مراقبة ومحاسبة ونتائج. لأن المواطن المغربي لم يعد يريد أن يسمع أن قطاع النقل يتطور؛ إنه يريد أن يرى هذا التطور في الطريق، وفي المحطة، وفي الحافلة، وفي سيارة الأجرة، وفي المطار، وفي فاتورة سفره. أما استمرار إنفاق المال العام دون أثر واضح، واستمرار الفوضى دون مسؤولية محددة، فليس إصلاحاً لقطاع النقل، بل إطالة لأزمة تدبير أصبح من الصعب تبريرها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.