يوسف طرزا
في وقت تراهن فيه وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة على الرقمنة وتبسيط المساطر الإدارية، ما تزال بعض المؤسسات التعليمية بالجهة، حسب ما توصلت به المنظمة المغربية للشفافية وحماية المال العام وحقوق الإنسان بالمغرب، تصر مع كل دخول مدرسي على مطالبة آباء وأولياء التلاميذ بوثائق إدارية، من بينها عقود الازدياد، رغم أن عدداً من هذه المعطيات متوفر أصلاً ضمن منظومة «مسار» المعتمدة رسمياً من طرف الوزارة.
وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام مبدأ تبسيط المساطر الإدارية وعدم مطالبة المواطن بوثائق يمكن للإدارة الولوج إليها عبر الوسائل والأنظمة المعلوماتية المتاحة لها.
وفي هذا السياق، سبق للمنظمة أن راسلت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بشأن موضوع فرض وثائق إدارية غير مبررة، وذلك عبر البوابة الوطنية للشكايات تحت رقم 6758938 بتاريخ 29 أبريل 2026
لكن استمرار هذه الممارسات، وفق ما تسجله المنظمة، يطرح سؤالاً واضحاً: ما الجدوى من رقمنة الإدارة واعتماد منظومة «مسار» إذا كان المواطن سيظل مطالباً كل سنة بإعادة تقديم الوثائق والمعطيات نفسها؟
فالدخول المدرسي يفترض أن يكون مناسبة لتيسير الإجراءات أمام الأسر، لا لتحويل المؤسسات التعليمية إلى فضاءات لطوابير الوثائق والنسخ والمصادقات، خصوصاً بالنسبة للأسر التي تجد نفسها مضطرة إلى التنقل بين الإدارات لاستخراج وثائق سبق أن أدلت بها في مراحل سابقة، أو تتوفر الإدارة عليها إلكترونياً.
وتعتبر المنظمة أن استمرار مطالبة الأسر بهذه الوثائق، متى كانت المعطيات المطلوبة متوفرة لدى الإدارة وقابلة للتحقق منها عبر المنظومات الرسمية، يتناقض مع روح الإدارة الحديثة ومبادئ تبسيط المساطر والنجاعة والرقمنة، ويعيد إنتاج نفس التعقيدات التي يفترض أن تكون عملية التحول الرقمي قد وضعت حداً لها.
والأخطر من ذلك أن المواطن يجد نفسه أمام مفارقة غير مفهومة: الإدارة تقول إنها رقمنت خدماتها، بينما بعض الممارسات اليومية توحي وكأن الرقمنة لم تصل بعد إلى شباك المؤسسة التعليمية.
وتتساءل المنظمة: هل هناك تعليمات رسمية تلزم المؤسسات التعليمية بتجديد هذه الوثائق في كل دخول مدرسي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو السند القانوني والإداري الذي يبرر ذلك؟ وإن لم تكن هناك تعليمات رسمية، فمن يتحمل مسؤولية استمرار هذه الممارسات؟
كما تطالب المنظمة وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتوضيح موقفها بشكل صريح، واتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل وضع حد لأي مطالبة غير مبررة بالوثائق الإدارية، وتوحيد المساطر داخل المؤسسات التعليمية، وإخبار الأسر بشكل واضح بالوثائق المطلوبة قانوناً فقط.
فالرقمنة ليست شعارات ترفع في اللقاءات الرسمية، ولا منصات إلكترونية تُدشن أمام الكاميرات؛ الرقمنة الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن الإدارة أصبحت أسرع وأسهل وأقل تعقيداً.
أما أن تستمر الأسر في تقديم الوثائق نفسها سنة بعد أخرى، رغم وجود منظومات معلوماتية رسمية يفترض أن تختصر هذه الإجراءات، فذلك يجعل من الرقمنة مجرد واجهة، بينما يبقى المواطن أسيراً للورق والطوابير.
وتؤكد المنظمة المغربية للشفافية وحماية المال العام وحقوق الإنسان بالمغرب أنها ستواصل رصد هذه الممارسات ومراسلة الجهات المختصة، والمطالبة بتوضيحات واضحة حول مدى قانونية وإلزامية هذه الإجراءات، انسجاماً مع دورها في الدفاع عن الشفافية وتبسيط الإدارة وحماية حقوق المرتفقين.
السؤال اليوم ليس لماذا يطالب المواطن بالوثائق؟ بل لماذا تطلب منه الإدارة وثائق تتوفر عليها أصلاً؟
فإما أن تكون «مسار» منظومة فعالة تخدم المواطن، وإما أن يقال للأسر بوضوح إن عليها العودة إلى منطق الورق والنسخ والطوابير. أما الجمع بين الرقمنة وتعقيد المساطر في الوقت نفسه، فليس إصلاحاً إدارياً… بل تناقضاً يحتاج إلى جواب.

