يوسف طرزا
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يتكرر المشهد نفسه دون تغيير. يخرج بعض السياسيين من سباتهم الطويل، ويتذكرون فجأة أن هناك فقراء، وأرامل، وشباباً عاطلاً، وأحياءً مهمشة، وأسرًا تكافح من أجل لقمة العيش. ملفات ظلت لسنوات خارج دائرة اهتمامهم، تتحول بين ليلة وضحاها إلى عناوين عريضة وخطابات رنانة ووعود براقة هدفها الأول والأخير استمالة أصوات الفئات الهشة.
الغريب أن هؤلاء يختفون طوال الولاية، فلا يُسمع لهم صوت وهم يملكون مواقع القرار أو التمثيل، ولا يتحركون للدفاع عن القضايا الاجتماعية إلا عندما تدق ساعة الانتخابات. حينها يصبح الفقير محور خطاباتهم، وتصبح المعاناة مادة للتسويق السياسي، وكأن البؤس فرصة انتخابية يجب استغلالها لا مأساة تستوجب حلولاً حقيقية.
السياسة ليست موسماً للصيد في مياه الفقر، وليست مسابقة في توزيع الوعود التي سرعان ما تتبخر بعد إعلان النتائج. فالعمل السياسي الحقيقي يُقاس بما يُنجز على أرض الواقع، لا بما يُقال فوق المنصات أو يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي.
لقد سئم المواطن من الوجوه التي لا تظهر إلا مع اقتراب صناديق الاقتراع، ومن الخطابات التي تتغذى على آلام الناس دون أن تقدم لهم بديلاً حقيقياً. فالكرامة لا تُشترى بالشعارات، والعدالة الاجتماعية لا تتحقق بالاستعراض الإعلامي، والثقة لا تُمنح لمن جعل من معاناة المواطنين وقوداً لحملته الانتخابية.
إن الفئات الهشة ليست خزّاناً انتخابياً، وليست أرقاماً في لوائح التصويت، بل مواطنون لهم حقوق دستورية تستوجب سياسات عمومية جادة، لا وعوداً موسمية تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية. ومن يراهن على ذاكرة قصيرة للناخبين، قد يكتشف هذه المرة أن الوعي الشعبي أصبح أقدر على التمييز بين من يخدم المواطن طوال الولاية، ومن لا يتذكره إلا عندما تقترب الانتخابات.
