
بقلم: وديع الطاهري
طالب باحث في سلك الدكتوراه تخصص القانون العام
مشاهد بريس
تعد المؤسسة التشريعية إحدى الركائز الأساسية في البناء الدستوري للدولة بالنظر إلى ما تضطلع به من وظائف ترتبط بالتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية وفقا للاختصاصات التي يحددها الدستور والقانون.
ومن هذا المنطلق فإن الحديث عن التمثيل البرلماني لا ينبغي أن ينحصر في قيمة المقعد أو المكانة المرتبطة بالصفة البرلمانية وإنما يتعين أن ينصرف أساسا إلى طبيعة المسؤولية التي تترتب عن الانتساب إلى مؤسسة تضطلع بوظائف دستورية ذات أهمية بالغة في الحياة العامة.
فالبرلمان ليس مجرد فضاء للاجتماع ولا موقعا للوجاهة الاجتماعية وإنما مؤسسة دستورية تقوم على قواعد وآليات دقيقة في ممارسة الاختصاصات التشريعية والرقابية ولذلك فإن فهم طبيعة العمل البرلماني يشكل مدخلا أساسيا لفهم معنى التمثيل داخل المؤسسة التشريعية.
وتبرز أهمية هذا النقاش كلما ارتفع الاهتمام بالمشاركة السياسية والاستحقاقات الانتخابية إذ تظل المسألة الأهم مرتبطة بجودة الممارسة السياسية ومدى استيعاب الفاعل السياسي لطبيعة المسؤولية التي تفرضها المؤسسات المنتخبة.
فالنائب البرلماني من الناحية الدستورية لا يمارس وظيفة تنفيذية ولا يفترض أن يتحول دوره إلى مجرد تدبير يومي للشأن المحلي وإنما يضطلع داخل المؤسسة التشريعية باختصاصات محددة في مقدمتها المساهمة في التشريع وممارسة الرقابة على العمل الحكومي والمشاركة في تقييم السياسات العمومية.
ومن هنا فإن التمييز بين الاختصاص التشريعي والاختصاص التنفيذي ليس مسألة تقنية هامشية بل هو عنصر أساسي لفهم طبيعة النظام المؤسساتي فالتشريع يتطلب القدرة على قراءة النصوص ومناقشة مضامينها واستيعاب آثارها بينما تقتضي الرقابة الحكومية معرفة الآليات الدستورية والقانونية التي تسمح بمساءلة الحكومة وتقييم أدائها.
كما أن التمثيل البرلماني لا يمكن اختزاله في نقل المطالب الاجتماعية بصورة مجردة بل يفترض القدرة على تحويل مختلف القضايا والمشكلات المطروحة في المجتمع إلى موضوعات قابلة للنقاش المؤسساتي من خلال السؤال والمقترح والتعديل والمناقشة وغيرها من الآليات التي يتيحها النظام البرلماني.
والدفاع عن القضايا العامة داخل المؤسسة التشريعية لا يرتبط بعلو الصوت أو قوة الخطاب وإنما يرتبط أساسا بالمعرفة والحجة والقدرة على تحليل الملفات وبناء المواقف على أساس قانوني ومؤسساتي.
فالاختلاف في الرأي جزء طبيعي من الحياة السياسية غير أن قيمة النقاش المؤسساتي تتجلى في القدرة على إدارة هذا الاختلاف بالحجة واحترام قواعد الحوار بعيدا عن الشخصنة أو تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية.
كما أن صفة «النائب البرلماني» لا ينبغي أن تفهم باعتبارها امتيازا شخصيا وإنما باعتبارها مسؤولية تفرض حضورا واعيا داخل مؤسسة يفترض أن تكون فضاء للنقاش والتشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
ولذلك فإن النقاش حول المؤسسة التشريعية ينبغي أن يتجاوز الأشخاص والأسماء والانتماءات وأن يركز على سؤال جوهري يتعلق بمستوى الوعي بطبيعة العمل البرلماني وبمدى القدرة على ممارسة الاختصاصات الدستورية والقانونية المرتبطة بالتمثيل داخل البرلمان.
إن قوة المؤسسات لا تقاس بعدد أعضائها فقط وإنما كذلك بمدى قدرتهم على استيعاب أدوارهم وممارسة اختصاصاتهم بكفاءة ومسؤولية كما أن جودة العمل التشريعي لا ترتبط بمجرد حضور الأعضاء داخل القاعة وإنما بما يقدمونه من أفكار ومقترحات ومواقف ومساهمات في النقاش العمومي.
ومن هذه الزاوية يصبح من المشروع طرح أسئلة معرفية ومؤسساتية من قبيل: ما الذي يعنيه التمثيل البرلماني؟ وما حدود الاختصاص التشريعي؟ وما الفرق بين الوظيفة التشريعية والوظيفة التنفيذية؟ وما هي الآليات التي يتيحها الدستور لممارسة الرقابة على الحكومة؟ وكيف يمكن تحويل المطالب الاجتماعية إلى قضايا قابلة للمعالجة داخل المؤسسة التشريعية؟
إن طرح هذه الأسئلة لا يستهدف أشخاصا بعينهم ولا يرتبط بمرحلة انتخابية محددة وإنما يندرج ضمن نقاش أوسع حول الثقافة المؤسساتية وضرورة ترسيخ الوعي بوظائف المؤسسات المنتخبة.
فالمقعد البرلماني في نهاية المطاف ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة لممارسة اختصاصات دستورية وقانونية داخل مؤسسة يفترض أن يكون جوهرها خدمة الصالح العام.
وإذا كان الوصول إلى المؤسسات المنتخبة حقا من حقوق المشاركة السياسية فإن تحمل المسؤولية داخلها يظل مرتبطا بوعي طبيعة الاختصاصات والالتزامات التي تفرضها الصفة التمثيلية.
وهنا تتجلى قيمة الوعي المؤسساتي: أن ينظر إلى البرلمان باعتباره مؤسسة دستورية قبل أن يكون فضاء للمنافسة السياسية وإلى التمثيل باعتباره مسؤولية قبل أن يكون صفة وإلى المقعد باعتباره تكليفا عاما قبل أن يكون مكانة شخصية.
فالمؤسسة التشريعية لا تحتاج فقط إلى من يشغل مقاعدها وإنما إلى من يدرك قيمة تلك المقاعد ويفهم طبيعة الاختصاصات المرتبطة بها ويؤمن بأن قوة التمثيل الحقيقي تبدأ من المعرفة بالدستور والقانون وتنتهي عند خدمة المصلحة العامة.

