يوسف طرزا
في مشهد يعكس حجم الاحتقان الذي بات يطبع تدبير وتسيير المجلس الجماعي للدشيرة الجهادية، شهدت الدورة الاستثنائية اليوم الجمعة 28 غشت للمجلس مقاطعة 23 عضو من أصل 35، وهو ما دفع رئيس المجلس إلى تأجيل انعقاد الدورة إلى الأسبوع المقبل، في تطور سياسي ومؤسساتي يطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة ما يجري داخل المؤسسة المنتخبة.
ووفق المعطيات المتداولة، فإن المقاطعة لم تأتِ من فراغ، ولم تكن مجرد خلاف عابر بين أعضاء المجلس، وإنما جاءت احتجاجاً على ما يعتبره المقاطعون تخلي رئيس المجلس عن أغلبيته وتهميشها في القرارات المرتبطة بتدبير وتسيير شؤون الجماعة، وكأن الأغلبية التي أوصلت الرئيس إلى كرسي المسؤولية أصبحت اليوم مجرد رقم يُستدعى عند الحاجة إلى التصويت، ويتم تجاوزها عندما يتعلق الأمر بالقرارات الكبرى.
وبعد اتصال جريدة "مشاهد بريس" بعدد من أعضاء المجلس المقاطعين، أكد هؤلاء أن قرار المقاطعة جاء نتيجة تراكم مجموعة من الملاحظات والاختلالات المرتبطة بطريقة تدبير وتسيير المجلس، وليس بسبب خلاف ظرفي أو حسابات شخصية.
وأوضح المقاطعون، حسب تصريحاتهم للجريدة، أن عدداً من أعضاء الأغلبية أصبحوا يشعرون بأن دورهم داخل المؤسسة المنتخبة تم تهميشه، وأن القرارات المتعلقة بتدبير الجماعة يتم اتخاذها بعيداً عن التشاور المفترض داخل الأغلبية، معتبرين أن هذا الوضع أفرغ التحالف الذي يشكل الأغلبية من مضمونه السياسي والمؤسساتي.
والأكثر إثارة للاستغراب، وفق تصريحات الأعضاء المقاطعين، أن اجتماعات المكتب المسير لم تُعقد لما يزيد عن سنة، وهو ما اعتبروه مؤشراً مقلقاً على طريقة تدبير المؤسسة الجماعية، متسائلين عن كيفية مناقشة الملفات الكبرى وتتبع المشاكل التي تعرفها الجماعة في غياب اجتماعات منتظمة للمكتب المسير.
فهل أصبح مكتب المجلس مجرد واجهة شكلية؟ وأين تناقش الملفات التي تهم المواطنين؟ ومن يقرر في القضايا التي ترتبط بالتدبير اليومي للمرافق الجماعية؟
أسئلة مشروعة تفرض نفسها بقوة، خصوصاً في ظل الحديث عن إشكالات هيكلية تطال عدداً من مرافق جماعة الدشيرة الجهادية، في وقت يبدو فيه أن الخلاف داخل الأغلبية لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تحول إلى أزمة ثقة حقيقية بين الرئيس وعدد من أعضاء فريقه.
لكن الأخطر، بحسب ما عبر عنه المقاطعون، يتعلق بـعدد من نقاط جدول أعمال الدورة الاستثنائية، والتي اعتبروا أن بعضها يحمل أبعاداً انتخابية محتملة، خصوصاً ما يرتبط بالمنح والاستفادة من بعض المرافق والامتيازات الجماعية.
وهنا تبرز ضرورة طرح السؤال الذي لا يمكن القفز عليه:
هل نحن أمام قرارات تستجيب فعلاً لحاجيات المواطنين والمصلحة العامة، أم أمام تدبير يمكن أن يتحول إلى أداة للاستمالة السياسية والانتخابية؟
إن منح الجمعيات واستغلال المرافق والامتيازات العمومية ليست ملكاً للرئيس ولا لفريقه السياسي، وإنما هي موارد وإمكانات جماعية يفترض أن تخضع لمعايير واضحة وشفافة، وأن يستفيد منها المواطنون والجمعيات وفق القانون والاستحقاق، بعيداً عن منطق الولاءات والحسابات الانتخابية.
وإذا صحت المعطيات التي تحدث عنها بعض المقاطعين بشأن استفادة جهات محسوبة أو قريبة من حزب الرئيس من بعض المنح أو الامتيازات أو المرافق، فإن الأمر يستوجب توضيحات للرأي العام، والكشف عن المعايير المعتمدة، واللوائح المستفيدة، ومحاضر المداولات، وكيفية اتخاذ القرارات، ومدى احترام مبادئ تكافؤ الفرص والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمجلس الجماعي ليس شركة حزبية، ومرافق الجماعة ليست غنيمة انتخابية، والمال العام ليس ورقة انتخابية توزع قبل موعد الاقتراع.
وأكد أعضاء المجلس المقاطعون، في تصريحاتهم للجريدة، أن قرارهم لا يستهدف مؤسسة المجلس ولا مصالح المواطنين، وإنما يشكل رسالة احتجاج على طريقة التدبير وعلى ما وصفوه بإقصاء الأغلبية من المشاركة الفعلية في صناعة القرار الجماعي، مشددين على ضرورة فتح نقاش جدي ومسؤول حول طريقة تسيير الجماعة وملفاتها.
كما عبّروا عن تحفظهم على عدد من نقاط جدول الأعمال، مطالبين بتوضيح الأسس والمعايير التي يتم اعتمادها في توزيع المنح والاستفادة من المرافق والامتيازات، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الجمعيات والجهات المستفيدة.
وتبقى هذه التصريحات مواقف أصحابها التي تستوجب توضيحاً ورداً من رئاسة المجلس الجماعي، خاصة أن الرأي العام المحلي ينتظر إجابات واضحة حول أسباب عدم انعقاد اجتماعات المكتب المسير لهذه المدة، وحول طبيعة القرارات التي يتم تدبيرها خارج اجتماعاته، فضلاً عن المعايير المعتمدة في توزيع المنح والاستفادة من المرافق الجماعية.
إن تأجيل الدورة إلى الأسبوع المقبل قد يؤجل موعد الاجتماع، لكنه لن يؤجل الأسئلة المطروحة، ولن يمحو حالة الاحتقان داخل المجلس، ولن يضع حداً للتساؤلات المتزايدة حول طريقة تدبير الشأن الجماعي.
والسؤال الذي ينتظر المواطنون جوابه ليس فقط: لماذا قاطع الأعضاء الدورة؟
بل:
من يدير جماعة الدشيرة الجهادية؟ وكيف تُتخذ القرارات؟ ومن يستفيد من الامتيازات؟ وهل تخضع المنح والمرافق لمعايير موضوعية وشفافة، أم أصبحت مدخلاً للاستمالة السياسية والانتخابية؟
إن الدشيرة الجهادية تحتاج إلى مؤسسة جماعية قوية، وأغلبية منسجمة، وقرارات شفافة، وتدبير يخضع للمساءلة والمحاسبة، لا إلى صراعات داخلية ولا إلى منطق توزيع الامتيازات في توقيت يطرح أكثر من علامة استفهام.
والكرة الآن في ملعب رئاسة المجلس: إما فتح الملفات للنقاش بكل شفافية، وتقديم التوضيحات والوثائق للرأي العام، أو ترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من الشكوك والتساؤلات حول طريقة تدبير الشأن الجماعي بالدشيرة الجهادية.
