يوسف طرزا
كانت المواسم الدينية في المغرب، على امتداد قرون، جزءاً من الذاكرة الروحية والثقافية للمغاربة، وفضاءً للتعبد وصلة الرحم والتكافل الاجتماعي واستحضار سيرة الأولياء والزوايا، بما تمثله من قيم دينية وأخلاقية راسخة في المجتمع المغربي.
لكن ما يُسجَّل اليوم في عدد من المواسم، على هامش الاحتفالات والأنشطة التجارية، يطرح أسئلة محرجة حول ما إذا كانت بعض هذه المناسبات قد ابتعدت عن رسالتها الأصلية، وتحولت من فضاءات للروحانية إلى أسواق مفتوحة للفوضى والانحراف.
فأي معنى لموسم يحمل اسماً دينياً، بينما تُثار حول محيطه شكايات وادعاءات بشأن انتشار المخدرات، والسكر العلني، والممارسات اللاأخلاقية، والاستغلال المشين لبعض الفتيات والنساء؟ وأي قداسة تبقى حين يصبح اسم الولي أو الزاوية مجرد غطاء لممارسات لا تمت بصلة إلى الدين ولا إلى القيم التي قامت عليها هذه المواسم؟
المشكلة ليست في الموسم الديني في حد ذاته، ولا في الاحتفال بالتراث الشعبي، وإنما في اختطاف المناسبة من مضمونها الروحي وتحويلها إلى فضاء تجاري وترفيهي منفلت من كل الضوابط.
فحين تتراجع الرقابة، وتنتشر مظاهر الفوضى، ويجد بعض المتربصين بالمناسبة فرصة لاستغلال الزوار، فإن الأمر لم يعد مجرد "احتفال موسمي"، بل يصبح قضية ترتبط بالأمن العام وحماية القاصرين وصون كرامة المواطنين والحفاظ على حرمة الفضاءات المرتبطة بالذاكرة الدينية للمجتمع.
والأخطر من ذلك هو أن الصمت أمام هذه المظاهر قد يُفهم باعتباره نوعاً من التساهل مع واقع يحتاج إلى تدخل حازم ومسؤول. فليس من المقبول أن تتحول بعض المواسم إلى مناطق يصعب فيها ضبط المخالفات، أو أن يصبح انشغال السلطات بتنظيم الجانب التجاري والاحتفالي على حساب مراقبة ما يجري في الكواليس والأماكن الهامشية.
الدين ليس لافتة تجارية، والولي ليس غطاءً للفوضى، والموسم ليس رخصة مفتوحة لكل من يريد تحويل المناسبة إلى مصدر للربح على حساب الأخلاق والقانون.
وإذا كانت بعض الجهات تحقق أرباحاً مهمة من الأسواق والأنشطة المرتبطة بهذه المواسم، فإن السؤال المشروع هو: من يراقب؟ ومن يحاسب؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول مناسبة يفترض أن تعكس صورة من صور التراث الروحي المغربي إلى فضاء تتناسل فيه مظاهر الانحراف؟
إن السلطات المحلية والأمنية والجماعات الترابية والجهات المنظمة مطالبة اليوم بالخروج من منطق التدبير الموسمي والشكلي، واعتماد مقاربة واضحة تضمن احترام القانون، وحماية الأطفال والقاصرين، ومحاربة الاتجار بالمخدرات والاستغلال الجنسي، وضبط الأنشطة التجارية، ومنع كل ممارسة تمس بكرامة المواطنين أو تستغل الطابع الديني للمناسبة.
كما أن المجتمع المدني ووسائل الإعلام مطالبان بفتح نقاش جدي حول مستقبل هذه المواسم، ليس بهدف إلغائها أو ضرب الموروث الشعبي، وإنما لإنقاذها من الانحراف وإعادتها إلى وظيفتها الروحية والثقافية والاجتماعية.
فالمغرب الذي يعتز بتاريخه الديني وتراثه الروحي لا يمكن أن يقبل بأن تتحول بعض المناسبات التي تحمل أسماء الأولياء والصالحين إلى واجهات للفوضى والانحراف.
إما أن تُصان حرمة هذه المواسم ويُحترم طابعها الديني والثقافي، وإما أن يستمر تحويل القداسة إلى مجرد غطاء تجاري، بينما تُترك الممارسات المشبوهة لتزدهر بعيداً عن أعين الرقابة.
وهنا لا بد من طرح السؤال الأكثر إزعاجاً:
هل نحن أمام مواسم دينية تحيي الذاكرة والروح، أم أمام مواسم تجارية تُستغل فيها القداسة لتغطية مظاهر لا علاقة لها بالدين ولا بأخلاق المجتمع المغربي؟

