يوسف طزرا
لم تكن استقالة البرلماني عبد الرحيم بوعيدة من حزب الاستقلال ومن البرلمان مجرد قرار سياسي عابر، بل جاءت، وفق ما أوضحه في تصريح مصور، نتيجة لما يعتبره ثمناً لمواقفه السياسية وانتقاداته للحكومة، وهو ما يفتح من جديد النقاش حول هامش الاستقلالية داخل الأحزاب، خصوصاً عندما يكون الحزب نفسه مشاركاً في الحكومة.
وفي الفيديو الذي يوضح فيه أسباب استقالته، تحدث بوعيدة بلهجة صريحة عن خلفيات قراره، مؤكداً أن مواقفه داخل البرلمان وانتقاداته للحكومة كانت جزءاً أساسياً من المسار الذي أوصله إلى هذه النهاية. وقال: «حيث أقف في البرلمان وأتكلم بحرقة على المشاكل التي يعيشها المغاربة، وحيث كنت أنتقد الحكومة وأنا عضو في حزب يشكلها، علمت أن هذا هو مصيري».
وأضاف أن من يتحدث باستقلالية ولا يلتزم حرفياً بما يُطلب منه داخل الحزب قد يجد نفسه في مواجهة مع منطق الانضباط التنظيمي، موضحاً: «يريدونك أن تصفق لا أن تعترض، ويريدونك أن تدافع عن القرار لا عن المواطن».
وهنا تحديداً تكمن المفارقة الكبرى في العمل السياسي: هل يدخل المنتخب إلى البرلمان للدفاع عن قرارات الحزب مهما كانت، أم للدفاع أولاً عن المواطنين الذين منحوه ثقتهم؟ وهل يصبح الانتماء الحزبي مقدماً على الضمير والمسؤولية التمثيلية؟
بوعيدة كان أكثر وضوحاً عندما أكد، في حديثه عن تجربته السياسية: «لم أدخل السياسة لأكون مجرد رقم داخل الحزب، بل دخلت السياسة لأقول ما أؤمن به». وهي عبارة تختصر جوهر الإشكال الذي يواجهه الكثير من المنتخبين عندما تتعارض قناعاتهم مع مواقف تنظيماتهم.
كما قال إن بعض الأحزاب، حسب تعبيره، «يريدونك داخل الحزب ولكن بشرط ألا تتكلم بكثرة، يريدون حضورك في المقرات، ولكن غائباً في المواقف». وهي انتقادات ثقيلة تضع مسألة الديمقراطية الداخلية للأحزاب أمام اختبار حقيقي.
فالانضباط الحزبي مبدأ ضروري لاستمرار التنظيمات السياسية، لكن الانضباط لا ينبغي أن يتحول إلى طاعة عمياء، ولا أن يصبح الاختلاف جريمة تنظيمية. فالبرلماني الذي لا يستطيع أن ينتقد قراراً حكومياً لأنه ينتمي إلى حزب مشارك في الحكومة، يفقد جزءاً من وظيفته الرقابية، كما أن المواطن الذي انتخبه لا ينتظر منه أن يكون مجرد صوت إضافي داخل الأغلبية.
المشكلة ليست في أن يختلف البرلماني مع حزبه، بل في أن يصبح الاختلاف سبباً للإقصاء. وليست المشكلة في أن تدافع الأحزاب عن اختياراتها، وإنما في أن تطلب من منتخبيها الدفاع عنها حتى عندما تتعارض مع مطالب المواطنين أو مع قناعاتهم الشخصية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة هو أن يتحول البرلمان إلى فضاء للتصفيق بدل النقاش، وأن يصبح الاعتراض علامة على التمرد، وأن يُطلب من المنتخب أن يدافع عن القرار قبل أن يسأل: ماذا يريد المواطن؟
استقالة بوعيدة، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مواقفه، أعادت طرح سؤال جوهري: هل تريد الأحزاب منتخباً يصفق ولا يعترض، يدافع عن القرار لا عن المواطن، أم تريد منتخباً يمتلك الشجاعة ليقول ما يؤمن به حتى عندما يكون صوته مزعجاً؟
فالسياسة، في جوهرها، ليست بحثاً عن مقعد ولا عن رقم داخل لائحة حزبية، وإنما مسؤولية ومواقف ومحاسبة. وإذا كان ثمن قول الحقيقة هو الخروج من الحزب، فإن السؤال الحقيقي لا يعود: لماذا استقال بوعيدة؟ بل: لماذا أصبح قول «لا» داخل بعض الأحزاب أكثر كلفة من قول «نعم»؟
