يوسف طرزا
في الوقت الذي تتفاقم فيه الأوضاع الاجتماعية، وتتزايد فيه شكاوى المواطنين من غلاء المعيشة، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار الخصاص في قطاعات الصحة والبنية التحتية والتشغيل، يشتد في المقابل السباق نحو تنظيم مهرجانات واحتفالات تُرصد لها ميزانيات ضخمة، وكأن الأولوية اليوم ليست لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أوضاع الساكنة، بل لإقامة منصات الغناء والأضواء.
الغريب أن البعض يحاول إقناع الرأي العام بأن هذه الأموال ليست من المال العام، أو أنها تأتي من “شركاء” و”رعاة”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من أين تأتي ميزانيات المؤسسات العمومية والجماعات الترابية والشركات العمومية التي تساهم في تمويل هذه التظاهرات؟ أليست في نهاية المطاف أموالاً مصدرها المال العام أو موارد كان بالإمكان توجيهها إلى مشاريع أكثر إلحاحاً ونفعاً للمواطنين؟
ليس الاعتراض على الفن أو الثقافة أو المهرجانات في حد ذاتها، وإنما على ترتيب الأولويات. فلا يعقل أن تُصرف ملايين الدراهم على حفلات تستمر ساعات معدودة، بينما تعاني أحياء بكاملها من غياب الإنارة، وطرق مهترئة، ومراكز صحية تفتقر إلى التجهيزات، وشباب ينتظر فرص الشغل، وجمعيات جادة تكافح من أجل الحصول على دعم بسيط لتنفيذ مشاريع اجتماعية.
إن منطق الحكامة الجيدة يقتضي أن تُبنى السياسات العمومية على حاجيات المواطنين الحقيقية، لا على البحث عن الصورة الإعلامية أو تحقيق مكاسب ظرفية. فالاحتفال لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لإخفاء الأعطاب التنموية، ولا إلى وسيلة لتلميع الواقع بينما يعيش المواطن يومياً معاناة البحث عن أبسط مقومات العيش الكريم.
إن المسؤولية السياسية والأخلاقية تفرض على الجهات المنظمة والممولة أن تقدم للرأي العام كشفاً واضحاً بمصادر التمويل، وحجم النفقات، وأوجه صرفها، ومدى انعكاس هذه المهرجانات على التنمية المحلية. فالشفافية ليست شعاراً يرفع، بل التزام يفرضه احترام المال العام وحق المواطنين في معرفة كيف تُدبر الموارد التي تساهم فيها الدولة أو المؤسسات العمومية.
فحين تصبح المنصات أكثر أهمية من المستشفيات، والألعاب النارية أكثر حضوراً من مشاريع البنية التحتية، والحفلات أكثر تمويلاً من المبادرات الاجتماعية، فإن الخلل لا يكمن في المهرجان نفسه، بل في بوصلة الأولويات.
والمواطن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأضواء التي تنطفئ بانتهاء السهرة، بل إلى مشاريع تنموية تبقى آثارها لسنوات، وتنعكس على جودة حياته وكرامته. فالتنمية هي الاحتفال الحقيقي الذي ينتظره المغاربة، أما المهرجانات، مهما بلغت بريقها، فلن تعوض طريقاً معبدة، ولا مستشفى مجهزاً، ولا مدرسة لائقة، ولا فرصة عمل تحفظ كرامة الإنسان.

